الأربعاء، 13 مايو 2026

مقبرة في ملف صوتي

"تنويه: جميع الشخصيات والأحداث والأسماء الواردة في هذه الرواية هي من وحي خيال الكاتب،لا يقصد منها الإساءة أو الإشارة لأي فرد أو جهة في أرض الواقع. وأي تشابه بينها وبين أشخاص حقيقيين، سواء كانوا أحياءً أو أمواتاً، أو أحداث واقعية، هو من قبيل الصدفة المحضة ولا يعبر عن الواقع بأي صلة."


رواية (مقبرة في ملف صوتي)

الزمان: 2:00 صباحاً. 

المكان: غرفة عمر.. إضاءة خافتة، ثلاث شاشات، وصوت مروحة التبريد هو الإيقاع الوحيد في الغرفة.

عمر جالس، انعكس الضوء الأزرق على عينيه المجهدة. أصابعه تتحرك بسرعة "هوسية" على لوحة المفاتيح. نجح أخيراً في التسلل عبر "نفق" بيانات معقد، متجاوزاً جدار حماية لجهازٍ يبدو عادياً، لكن تشفيره كان مبالغاً فيه، كأنه قبو محكم الإغلاق.

عمر (يهمس لنفسه): "ليش كل هالتشفير على ملفات صوتية؟"

قبل أن يطرده النظام، سحب ملفاً واحداً كان تالفاً جزئياً. بدأت عملية الإصلاح.. 10%.. 50%.. 90%.. اكتمل. ظهر تاريخ الملف الأصلي: 7 ديسمبر 2005. 

ضغط "تشغيل". (صوت خشخشة ترددية.. يعقبها سكون ثقيل)

كان صوت الأذان ينسلُّ من بعيد برزانة مخيفة: "الصلاة خيرٌ من النوم".. وفجأة، اخترق الصمت صوتٌ معدني حاد: (تيك!).

ثم هدوء.. تعقبه تكات متتالية: (تيك! ... تيك!). ثم صوت احتراق خفيف يتبعه صوت نَفَس عميق، ثم رنين مكالمة بانتظار الرد. المكالمة بدأت.

تحدث صاحب الصوت الأول بنبرة جافة: "ناصر.. الحادث تم. العيلة اللي في السيارة انتهت، كلهم ميتين.. بس البنت الصغيرة ما كانت معهم."

ساد صمت لثانيتين، قبل أن يأتي صوت آخر، هادئ بشكل مرعب ويقطر نفوذاً: "أنا مو قلت لك كلهم.. الحين تقول ليلى مو معهم؟"

رد صاحب الولاعة بسرعة ونبرة واثقة: "لو صار لها شيء الحين بنلفت الانتباه.. وقتها ماراح نقدر نقيد القضية ضد مجهول."

انتهى التسجيل. ساد الصمت الغرفة، لكن ضجيج الأفكار في رأس عمر كان مرعباً. أعاد سماع الثواني الأولى بتركيز مضاعف. الآن بدأت الأصوات تكتسب معانيها البشعة في عقله. تلك التكة المعدنية لم تكن مجرد ضجيج؛ كانت "ولاعة" تُفتح وتُغلق بآلية باردة. وصوت الاحتراق الخفيف كان سيجارة تُشعل بعمق فوق جثث لم تبرد بعد.

عمر (يهمس بذهول): "كان يدخن!!.. كان يولع سيجارة وهو يطالع الجثث!"

تجمدت أصابعه على لوحة المفاتيح. لم يعد مجرد تسلل تقني، لقد نبش قبراً رقمياً عمره 20 عاماً. أحس ببرودة في أطرافه وهو يردد: من هي "ليلى" التي تركوها حية لكي تظل الجريمة "حادثاً ضد مجهول"؟

البحث في الرماد الرقمي

لم يكن الأمر سهلاً كما توقع عمر. الصحف الإلكترونية قبل عشرين عاماً كانت بدائية، ومعظم أرشيفات المواقع الإخبارية ضاعت مع تحديثات السيرفرات المتكررة.

قضى عمر ثلاث ساعات وهو يُشغّل "سكربتات" بحث متقدمة، محاولاً سحب أي بيانات من نسخ المواقع المؤرشفة. كانت العقبة الكبرى أن اسم "ناصر" ورد في التسجيل مجرداً من اسم العائلة، مما جعل النتائج تظهر بالآلاف.

عمر (يحدث نفسه بإحباط): "أحتاج شيء أضيق فيه البحث.. شيء ملموس."

عاد لتحليل الملف الصوتي تقنياً؛ استخرج "الميتا داتا" للملف، واكتشف أن التسجيل تم بواسطة جهاز تسجيل قديم جداً. الترددات الصوتية أظهرت وجود "صدى" يوحي بأن المكالمة أُجريت في مكان مفتوح.

بدأ يبحث في قواعد بيانات (المركبات) المسجلة في الحوادث الجسيمة لذلك العام. لم يجد اسم 'ناصر'، لكنه عثر على طرف خيط في سجلات النسخ الاحتياطي التي نُسي مسحها: أثر لبلاغ قديم عن حادث سير أودى بحياة عائلة كاملة في توقيت أذان الفجر. الغريب أن البلاغ نفسه كان مفقوداً من قاعدة البيانات الرسمية الحالية، والقضية كانت قد قُيدت ضد مجهول قبل اختفاء تفاصيلها رقمياً.

العرق يتصبب من جبينه.. الشاشات تعكس أرقاماً وأكواداً لا يفهمها غيره. الساعة الآن السادسة صباحاً، وعمر لم يقترب بعد من أي حقيقة ملموسة تُطفيء النار في رأسه.


مشهد الصباح: القهوة المُرّة

انفتح باب الغرفة بهدوء، وتسللت رائحة القهوة لتمتزج برائحة الأجهزة المجهدة في غرفة عمر. دخلت سارة وهي تحمل الفنجان، وقفت للحظة تتأمل شقيقها الذي بدا وكأنه لم يرمش منذ ساعات.

سارة (بصوت هادئ): "صباح الخير.. شكلك غصت في (الإنترنت العميق) ونسيت تطلع. خذ، القهوة يمكن ترجعك لعالمنا."

وضع عمر الفنجان بجانبه دون أن يشرب. نظر إليها بعيون محمرة من التعب، وقال بصوت خافت: "سارة، قبل لا تشربين قهوتك.. محتاجك تلبسين هالسماعة."

استغربت سارة من جديته، لكنها وضعت السماعة على أذنيها. ضغط عمر زر التشغيل. (صوت الخشخشة.. الأذان البعيد.. ثم التكة المعدنية الصادمة "تيك!")

تغيرت ملامح سارة فوراً. انقبض حاجباها وهي تسمع بحة صوت القاتل وهو يبلغ ناصر بنجاح الحادث ووفاة العائلة، ثم تجمدت تماماً وهي تسمع رد ناصر البارد: "أنا مو قلت لك كلهم.. الحين تقول ليلى مو معهم؟"

نزعت سارة السماعة عن أذنيها. ساد صمت ثقيل في الغرفة. كانت سارة تحدق في الشاشة وكأنها تحاول استيعاب أن هذا الصوت حقيقي وليس مشهداً من فيلم.

سارة (بهمس): "هذا.. هذا مو مجرد تسجيل. هذا إعدام. مين هذولي يا عمر؟ ومن هي ليلى؟"

عمر (يلفت الشاشة نحوها): "التسجيل عمره أكثر من عشرين سنة. بحثت طول الليل في أرشيف الصحف والمواقع القديمة، وبالقوة وصلت لأثر بلاغ عن حادث صار في نفس التوقيت.. 7 ديسمبر 2005، طريق المطار. عائلة كاملة انتهت داخل سيارتها، والفاعل هرب، والقضية قُيدت ضد مجهول."

أخذت سارة رشفة من قهوتها، لكن طعمها بدا مُراً أكثر من العادة. نظرت لعمر وقالت بجدية: "النظام عندك ماراح يعطيك أكثر من كذا لأن الأصل الرقمي ممسوح.. بس الأرشيف الورقي ما ينمسح بسهولة وعادة يكون فيه تفاصيل أكثر. لو كان فيه محضر أصلي أو صور للحادث، فهي موجودة في (القبو) تحت عهدتي."

عمر (وهو يشير بإصبعه إلى كود تقني معقد على الشاشة): "النظام ممسوح يا سارة، لكن الشخص اللي مسح القضية ارتكب غلطة مبتدئين.. نسي يمسح 'سجل الحركة' (Log Files)، وهو السجل اللي يثبت إن القضية كان رقمها (2005/ج/402) قبل ما تختفي من الوجود الرقمي. هذا الرقم هو مفتاحك في القبو."

سارة (بتردد يقطعه الإصرار): "الدخول لملفات القضايا القديمة المقفولة يحتاج إذن، بس بما أني هناك.. أقدر (أضيع) في الممرات شوي. بس يا عمر، ناصر اللي في التسجيل.. صوته يوحي إنه شخص ما يتفاهم. إحنا كذا بنلعب بالنار."

عمر (ينظر لسارة بحدّة): "النار هذي أكلت عائلة كاملة يا سارة.. والواضح من المكالمة إن موت أهل ليلى كان بطلب رسمي ومخطط له، وهي الناجية الوحيدة اللي خربت عليهم نظافة الجريمة. ليلى أكيد ما تدري إن الحادث اللي يتمها وحرمها من أهلها كان (مهمة) مدفوعة الثمن."


مشهد: قبو الأرشيف

انتقلت سارة إلى عملها، لكن اليوم لم يكن كأي يوم آخر. كانت خطواتها في ممرات المبنى الحكومي الثقيلة تبدو وكأنها صدى لتكة الولاعة التي سمعتها في الفجر.

المكان عبارة عن سرداب طويل تحت الأرض، تفوح منه رائحة الرطوبة والأوراق الميتة. الرفوف الحديدية تمتد كأنها متاهة لا نهاية لها. انتظرت سارة حتى خلا المكان، ثم تسللت إلى قسم "الجنايات القديمة - العام 2005". وصلت سارة إلى القسم "ج"، وعيناها تبحثان عن الرقم (402) بين آلاف الملفات المكدسة. وعندما عثرت عليه، سحبت الملف الذي كان مغلفاً بطبقة كثيفة من الغبار. فتحته بقلب يخفق بشدة، وبدأت تقلب الأوراق الرسمية.

سارة (بهمس): "تقرير الحادث.. الوفاة.. الدفاع المدني.. كل شيء يبدو طبيعياً (حادث عرضي بسبب انفجار إطار)."

كانت الأوراق المطبوعة في بداية الملف عادية جدا؛ كلمات باردة تصف الحادث بأنه "قضاء وقدر". لكن سارة تعرف أن الأرشيف يخبئ أسراره في "الأوراق المهملة" بالخلف. قلبت كومة من الأوراق الروتينية، لتجد في نهاية الملف ورقة ذات لون أزرق باهت، رقيقة جداً وكأنها نُسيت عمداً.. كانت النسخة الكربونية الأصلية لمحضر المعاينة الميداني.

هذه الورقة هي الحقيقة الخام التي كتبها الضابط بيده في موقع الحادث قبل أن تُمارس عليه الضغوط ليطبع تقريراً "معدلاً". حبست سارة أنفاسها وهي تقرأ الخط المتسارع للمحقق:

"ملاحظات المعاينة الميدانية: تم العثور على آثار ثقوب واضحة في الإطار الأمامي الأيسر، حوافها منتظمة (يُشتبه بطلق ناري). كما لوحظت بقع غريبة تفوح منها رائحة مادة كيميائية نفاذة (مسرع اشتعال)، مما يفسر تفحم المركبة في وقت قياسي."

في أسفل الورقة، كان توقيع الضابط: (الملازم أول: يوسف ....).

سارة (بذهول): "اللي حذف البيانات من السيرفر نسي النسخة الكربونية هذي.. اعتبروها مجرد قصاصة ورق ملحقة!"

وقعت عينها على ورقة أخرى مدبسة خلفها، كانت "أمر إغلاق" موقعاً من المستشار، كُتب فيه بخط حاد: (تُلغى ملاحظات المعاينة لعدم وجود أدلة مادية كافية، ويُعتمد التقرير الفني كحادث عرضي. تُقيد ضد مجهول ويُحفظ الملف فوراً).

سمعت سارة صوت وقع أقدام تقترب.. خطوات رصينة تردد صداها في الممر الصامت. بسرعة البرق، صورت "النسخة الكربونية" بجوالها، لكن يدها ارتجفت. أحست أن التصوير لا يكفي؛ سحبت سارة النسخة الكربونية بسرعة خاطفة، طوتها بعناية، ثم دستها في جيبها. شعرت ببرد يلامس قلبها وهي تدرك حجم ما تحمله؛ كانت تعلم يقيناً أن المجرم -مهما كان نفوذه- لو علم بوجود هذه الورقة لما تركها خلفه يوماً واحداً، لكان أحرقها مع السيارة في ذلك الفجر. لكنه، وفي غمرة ثقته بمسح الأثر الرقمي، لم يدرِ أن ضابطاً بسيطاً ترك خلفه "خطيئة زرقاء" في ملف مهمل.

أعادت الملف لمكانه وانسحبت بحذر، لكن بمجرد تجاوزها العمود الأخير، تجمدت الدماء في عروقها. كانت وجهاً لوجه أمام رجل في الستين، بشعر أبيض ونظرات ثاقبة من خلف نظارات طبية فاخرة.

المستشار: "بنت أحمد.. أيش اللي جابك في ممرات الجنايات القديمة؟ ما أذكر إن تحديث البيانات يحتاج الرجوع لأرشيف القرن الماضي."

سارة (بثبات مصطنع): "أعتذر يا سعادة المستشار.. كنت أبحث عن تسلسل لمحاضر مفقودة في النظام، واختلطت عليّ الممرات."

نظر المستشار إلى الممر المظلم، ثم ابتسم ابتسامة غامضة: "الممرات هنا متاهة يا سارة، والأرشيف موحش لمن لا يعرفه. نصيحة؛ لا تدورين بنفسك في هالأماكن، خلي أحد عارف المكان يساعدك. ارجعي لمكتبك، وانتبهي لا تضيعين مرة ثانية."

عادت سارة إلى مكتبها بخطوات تحاول جاهدة أن تجعلها تبدو طبيعية. جلست على كرسيها، وأحست ببرودة الورقة الزرقاء في جيبها كأنها قطعة ثلج. كانت تعلم أن خروجها الآن، بعد لقاء المستشار مباشرة، سيكون بمثابة اعتراف صريح بأنها كانت تفعل شيئاً مريباً.

سحبت هاتفها تحت الطاولة. لم تجرؤ على إرسال الصور عبر "الواتساب" أو أي تطبيق مراسلة عادي؛ فهي تعلم أن شبكة "الواي فاي" في المبنى الحكومي قد تكون مراقبة.

سارة (تحدث نفسها): "لو شاف المستشار الصور في جوالي لو فتشوه.. انتهيت."

بسرعة، قامت برفع الصور التي التقطتها للملف وللنسخة الكربونية على "سيرفر سحابي مشفر" كان عمر قد أنشأه لهما سابقاً ليحفظا عليه صور رحلاتهما، وكان الملف يحمل اسم (صور رحلات العائلة). بمجرد انتهاء الرفع، قامت بمسح الصور نهائياً من "الاستوديو" ومن سلة المحذوفات في هاتفها.

شعرت بانشراحٍ ضئيل في صدرها بعد أن أمنت النسخة الرقمية، لكن الثقل الحقيقي لا يزال قابعاً في جيبها.. تلك الورقة الأصلية التي لا تملك لها 'زر حذف'.

أرسلت رسالة نصية قصيرة لعمر: "الصور في السحابة.. بشوفك لما أرجع البيت."

خلف الشاشات

على الجانب الآخر، وصل التنبيه إلى عمر. دخل بسرعة إلى ملف 'رحلات العائلة'، ليجد صوراً لا صلة لها بالرحلات؛ صوراً تفوح منها رائحة الموت والتزوير. لم تمر دقائق حتى كان عمر يراقب شاشته بتركيزٍ حاد، وما إن ظهر إشعار 'اكتمل التحميل'، حتى فتح الملفات بلهفة. بدأت الصور تتوالى أمامه: تقارير وفاة مطبوعة، ثم كانت الصدمة الكبرى.. النسخة الكربونية الزرقاء.

عمر (يقرأ بذهول): "ثقوب منتظمة.. مادة كيميائية.. الملازم أول يوسف."

لم ينتظر وصول سارة. أصابعه بدأت تعزف على لوحة المفاتيح من جديد. لم يعد يبحث عن "ناصر" الغامض، بل بدأ يبحث عن شخص ملموس، شخص كان موجوداً في مسرح الجريمة ورأى الحقيقة قبل أن تُطمس. بدأ عمر في تتبع سجلات الأحوال المدنية وتاريخ التوظيف. أدخل اسم يوسف (...). ظهرت النتائج بسرعة، ونبضه يتسارع وهو يقرأ في خانة التاريخ الوظيفي: 'الحالة: إنهاء خدمة (استقالة) في فبراير 2006'، أي بعد الحادث بشهرين فقط!"

عمر (يهمس وهو يحدق في الشاشة بذهول): "استقالة مفاجئة.. ثم اختفاء! أنت يا يوسف إما أنك ذعرت وهربت، أو أنهم تخلصوا منك كما تخلصوا من ملف القضية."

عاد عمر إلى شاشته ليمسك بالخيط الأكثر أهمية: اسم والد ليلى الوارد في تقرير الحادث الميداني. وعبر ثغرة تقنية قديمة، تسلل إلى قاعدة بيانات السجل المدني وأدخل اسم الوالد (عبدالله...). ظهر له ملف العائلة بالكامل؛ كان مشهداً يكسوه السواد.. الأب والأم والابن الأكبر، جميعهم قُيدوا كـ 'متوفين' في اللحظة ذاتها.

"في أسفل مخطط العائلة الرقمي، برز اسمٌ واحدٌ وحيد لا يزال ينبض باللون الأخضر: 'ليلى'. وجد عمر أن الوصاية القانونية عليها انتقلت مباشرةً إلى جدتها للأم (منيرة الـ...). هنا، قرر عمر التسلل إلى نظام المعلومات التعليمي كـ 'شبحٍ رقمي' لا يترك أثراً؛ تجاوز جدران حماية الجامعة مستخدماً رقم الهوية الذي استخرجه، لتنبثق أمامه بياناتها الأكاديمية كاملة:"

  • الاسم: ليلى عبدالله (...).

  • الكلية: الطب والجراحة.

  • المرحلة: سنة الامتياز (Internship).

  • السكن الحالي: منزل منيرة الـ... (حي ...).

تراجع عمر بظهره للوراء، وأسند رأسه إلى الكرسي مغطياً وجهه بيديه المرتجفتين. ليلى ليست مجرد اسمٍ باردٍ في ملفٍ قديم؛ ليلى الآن طبيبة، تقضي لياليها في صراعٍ مع الموت لإنقاذ أرواح الغرباء.


عدسة ليلى: ممرات الشفاء المظلمة

في هذه الأثناء، وفي زاويةٍ قصية من استراحة الأطباء بالمستشفى الجامعي، كانت ليلى تجلس بمفردها، واضعةً سماعات الرأس في محاولةٍ بائسة لعزل ضجيج أجهزة التنبيه ونداءات الاستدعاء التي لا تهدأ في الممرات. وأمامها، كان وهج شاشة 'المحمول' ينعكس على وجهها المتعب.

رن هاتفها، وظهر اسم "الجدة منيرة". تلاشت ملامح التركيز الحادة وحلت مكانها ابتسامة دافئة: ليلى: "هلا يمه.. أيوه، خلصت شفتي في الطوارئ الحين. لا تشيلين هم، بمر السوبرماركت آخذ الأغراض اللي طلبتيها وأكون عندك فوراً."

أغلقت الخط، وجمعت أغراضها بهدوء. خلعت معطفها الأبيض ووضعت اللابتوب في حقيبتها، ثم خرجت من بوابة المستشفى واستقلت سيارتها متوجهة نحو الحي الهادئ حيث تعيش مع جدتها. كانت شوارع المدينة تمر من خلف نافذتها كشريطٍ باهت، وهي لا تعلم أنها في هذه اللحظة بالذات، كانت هناك شاشات في غرفة مظلمة تعرض بياناتها الطبية، وأن "عمر" يراقب مسار حياتها الرقمي بدقة الجراح الذي يخشى على مريضه من نزيف لا يراه أحد غيره.

المشهد: طاولة الحقيقة (عمر وسارة) 

كانت سارة تقود سيارتها والتوتر ينهش أعصابها، يدها اليمنى تلمس جيب سترتها كل دقيقتين للتأكد من وجود تلك "الورقة الزرقاء"، وكأنها تخشى أن تتبخر. لم تكن تشعر بالأمان حتى وهي داخل سيارتها؛ فالمرايا الجانبية أصبحت عدوها الأول، تراقب كل سيارة خلفها، وتتخيل أن المستشار أرسل من يتبعها.

بمجرد دخولها للمنزل، أغلقت الأقفال الثلاثة خلفها واحدٍ تلو الآخر، وأسندت رأسها على الباب وهي تتنفس بعمق.

سارة (بهمس): "أهدئي يا سارة.. ما حد شافك، الورقة معك، وأنتِ في البيت."

توجهت مباشرة إلى غرفة عمر، حيث كانت الإضاءة الخافتة وصوت مراوح الأجهزة يوحي بأن معركة تقنية كانت تدور هناك. وجدت عمر صامتاً، يحدق في شاشة عرضت صورة ليلى بملامحها الهادئة.

سارة (بأنفاس متلاحقة): "عمر.. شفت المستشار اليوم في القبو. كان يهددني بالكلام، كأنه خايف إني وصلت لشيء!"

عمر (يهز رأسه ببطء وهو يحلل الصور على الشاشة): "لحظة يا سارة.. لا نستعجل. التوقيع اللي في أمر الإغلاق مكتوب تحته (المستشار: أ. ناصر). لكن المستشار اللي قابلتيه اليوم، أنا بحثت عنه في سجلات الإدارة .. هذا تولى المنصب قبل 5 سنوات فقط، واسمه مختلف تماماً."

سارة (بذهول): "يعني اللي شفته مو هو اللي وقع الورقة؟ طيب ليش كان يهددني؟"

عمر: "ممكن يكون خايف على سمعة الإدارة، أو يمكن فيه تعليمات قديمة إن الملفات هذه ما تلمسها يد غريبة. المهم الحين إننا اكتشفنا إن (المستشار) القديم اللي وقع الورقة اختفى من السجلات الرسمية للإدارة من وقت طويل.. وهذا يعني إنه إما ترقى لمكان بعيد، أو إنه هو نفسه (ناصر) اللي سمعنا صوته في التسجيل!"

سارة: "إذن.. إحنا الحين ندور على (مستشار) قديم، وشخص اسمه ناصر، وبنت اسمها ليلى ما تدري عن هالعالم كله."

عمر (يهدئ نبرة صوته ويفتح ملفاً جديداً): "ليلى اللي كنا ندور عليها طلعت تدرس طب."

سارة (وهي تتأمل ملامح ليلى في الصورة الجامعية): "وناصر؟ هل له أي أثر حولها؟"

عمر: "أبداً. ناصر قفل الملف ونساه. بالنسبة له، ليلى طفلة كبرت وهي تجهل الحقيقة، ولا تشكل أي خطر عليه. ومطمئن إن السر مات."

سارة أخذت نفساً عميقاً: "يعني إحنا الحين الوحيدين اللي نعرف إن ناصر قاتل، وإن هالبنت المسكينة يتيمة بقرار منه، مو بصدفة من القدر."

عمر (وهو يغلق ملفات المحاضر الرقمية): "بالضبط. إحنا الحين نملك (التسجيل) و(النسخة الكربونية). نملك الحقيقة اللي ممكن تدمر ناصر، بس بنفس الوقت ممكن تدمر السلام اللي تعيش فيه ليلى. ناصر مو مراقبها، بس لو درى إننا نبشنا.. أخاف ان ليلى بتكون أول وحدة في خطر."

عمر : "سارة.. الضابط يوسف السجلات تقول إنه (استقال بناءً على طلبه) في فبراير 2006، ومن بعدها سقط اسمه من كشوفات الدولة تماماً."

سارة (بقلق): "استقالة؟ يعني ما عنده راتب؟ كيف عايش كل هالسنين؟"

عمر (يفتح نافذة برمجية أخرى ويبدأ في كتابة أكواد سريعة): "هذا اللي كنت أحاول أعرفه. تتبعت رقم هويته في السجلات البنكية، ولقيت حساب وحيد نشط، ينزل فيه مبلغ ثابت كل شهر من جهة وحدة.. شركة اسمها (مجموعة النخبة للتطوير العقاري)."

سارة: "مجموعة النخبة؟"

عمر (ينقر على زر الإدخال بقوة): "لحظة.. خليني أسحب السجل التجاري للشركة."

توقفت الشاشة لثوانٍ قبل أن تظهر البيانات الرسمية للملاك وأعضاء مجلس الإدارة. اتسعت عينا عمر وهو يقرأ الاسم المكتوب في خانة المالك الرئيسي، والتفت إلى سارة بذهول.

عمر (بصوت خافت): "سارة.. شوفي اسم صاحب المجموعة. (ناصر الـ....)."

ساد الصمت الغرفة لثوانٍ، سارة حدقت في الاسم وكأنها تحاول استيعاب حجم الكارثة.

سارة (بهمس): "ناصر.. هو نفسه صاحب الشركة؟ يعني الملازم يوسف اللي كتب الحقيقة، الحين يستلم راتبه من الشخص اللي طمس الحقيقة؟"

عمر (يومئ برأسه بجدية): "بالضبط، والآن صار لازم نتأكد من يوسف بطريقتنا.. لازم نعرف هل (المستشار ناصر) اللي وقع الورقة، و(ناصر) صاحب مجموعة النخبة، و(ناصر) اللي في التسجيل.. هل هم كلهم شخص واحد؟ إذا طلعوا نفس الشخص، معناه إحنا قدام إمبراطورية بنيت على جثث، ويوسف هو الوحيد اللي يقدر يأكد لنا هالهوية."

سارة (تمسح وجهها بتعب): "إذن يوسف مو بس هرب.. يوسف تحت رحمة ناصر. الحين عرفنا ليه الملف انقفل وليه يوسف اختفى. ناصر ما قتل القضية وبس، هو اشترى الشهود وضمهم لإمبراطوريته."

المشهد: سجن النخبة (المواجهة)

المكان: أطراف المدينة – مزرعة يوسف

سلك عمر وسارة الطريق الترابي الوعر، حيث تتراجع أنوار المدينة خلفهما شيئاً فشيئاً، وتبدأ المزارع في الظهور توقف عمر بالسيارة عند البوابة الحديدية الصدئة لمزرعة تبدو منعزلة تماماً، تحيط بها أشجار النخيل الكثيفة وكأنها تخفي خلفها سراً قديماً.

عمر (وهو يطفئ أنوار السيارة): "هنا يسكن 'المستشار الأمني' لمجموعة النخبة. مكان مثالي لدفن رجل حي."

تبادلا نظرة سريعة، ثم ترجلا من السيارة. تقدما نحو البوابة الثقيلة، ولا شيء سوى الصمت… إلا صوت كلب بعيد يعلو ثم يخفت، ولم يكد عمر يرفع يده لطرق البوابة حتى خرج رجل من بين صفَّي النخيل. كان يمسك مقص تقليم، ملابسه بسيطة، لكن وقفته وحذر نظراته لا تزال تحمل صرامة العسكريين القدامى.. عيناه الغائرتان تفحصان ملامحهما بريبة حادة.

توقف الرجل على مسافة قريبة،

يوسف (بصوت جاف وحذر): "المزرعة ملكية خاصة… وش تبون؟"

سارة (تتقدم خطوة واحدة، ثابتة رغم القلق الذي يثقل الأجواء، وأخرجت من جيبها الورقة الزرقاء. رفعتها ببطء): "سيادة الملازم يوسف؟ إحنا ما جينا نعتدي على خصوصيتك.. جينا عشان الأمانة اللي تركتها في النسخة الكربونية قبل عشرين سنة… الأمانة اللي رفضت تُدفن حتى مع الملفات اللي حاولوا يمسحونها."

بمجرد أن وقع بصر يوسف على لون الورقة الزرقاء، شحب وجهه وتراجع خطوة للوراء، واصطدم ظهره بجذع نخلة وكأنه فقد توازنه. نظر للورقة برعب، ثم التفت يميناً ويساراً يراقب أطراف المزرعة الخالية بهلع.

يوسف (بصوت مبحوح بالكاد يُسمع): "من… من وين لكم هذي؟"

فتح البوابة الحديدية بيده المرتجفة. تصدر صريراً عميقاً، كأنها سنوات من الأسرار تشق طريقها للخارج.

يوسف (بصوت منخفض، منزوع القوة): "ادخلوا… قبل ما أحد يشوفكم."

عمر يبادل سارة نظرة قصيرة —نظرة لا تخلو من القلق— ثم يدخلان خلف يوسف إلى داخل المزرعة.

ساد صمت ثقيل داخل الملحق، لم يقطعه إلا صوت أزيز الراديو القديم في الزاوية. تبادل عمر وسارة نظرة سريعة، ثم تقدمت سارة ببطء ووضعت "الورقة الزرقاء" على الطاولة الخشبية أمام يوسف، وبجانبها وضع عمر هاتفه المحمول وكأنه يضع قنبلة موقوتة.

سارة (بنبرة هادئة وقوية): "يا سيادة الملازم، الورقة هذي دليل مادي، لكنها بدون صوتك تبقى مجرد حبر قديم يقدر ناصر يحرقها ويحرقنا معها. إحنا ما جينا نسمع اعترافك وبس.. إحنا جينا نطلب منك توقف معنا."

يوسف (ضحك بمرارة وهو ينظر للورقة): "أوقف معكم؟ أنتم ما تعرفون ناصر! ناصر الحين مو مجرد مستشار، ناصر صار 'نظام' كامل. تبوني أشهد ضده؟ يعني تبوني أوقع قرار إعدامي وإعدام عيالي بيدي؟"

عمر (يمسك هاتفه): "قبل ما ترفض.. اسمع هالمكالمة"

ضغط عمر على زر التشغيل. خرج صوت من الهاتف لشخص يتحدث بنبرة مرتبكة لكنها حاسمة: "ناصر.. الحادث تم. العيلة اللي في السيارة انتهت، كلهم ميتين.. بس البنت الصغيرة ما كانت معهم."

ساد صمت مرعب في الغرفة قبل أن يخرج صوت ناصر، بارداً كالثلج، لكن خلفه غضب مكتوم: "أنا مو قلت لك كلهم؟ الحين تقول ليلى مو معهم؟"

رد صاحب الولاعة (الطرف الآخر) بسرعة ونبرة واثقة: "لو صار لها شيء الحين بنلفت الانتباه.. وقتها ماراح نقدر نقيد القضية ضد مجهول."

تسمر يوسف في مكانه. تجمدت الدماء في عروقه وهو يسمع صوت ناصر يتردد في المكالمة . تلاشت ابتسامة السخرية من وجهه وحل محلها رعب أصيل.

عمر: "معنا الورقة اللي كتبتها بخط يدك، ومعنا ناصر وهو يعترف بيده بالخطة. اللي ناقصنا هو أنت.. شهادة الضابط اللي كان هناك قبل ما تطمس الحقيقة. أنت الوحيد اللي تقدر تربط الصوت بالورقة."

يوسف (ينهض بفزع ويتحرك في الغرفة): "أنتم مجانين! هذا انتحار! ناصر لو عرف عن التسجيل هذا، راح يقلب الأرض وما عليها. أنا ضحيت بضميري عشان أمان عيالي، والحين تبوني أرميهم في النار؟"

سارة (تقف أمامه مباشرة، تمنع حركته): "عيالك كبروا يا يوسف، وصاروا يقدرون يحمون أنفسهم. لكن ليلى؟ ليلى لسه تعيش في الكذبة اللي أنت وقعت عليها بيدك. ومن حقها أن اللي تسبب بمعاناتها يأخذ جزاه ويتحاسب على حرمانها من أهلها."

عمر (بنبرة حاسمة): "يوسف.. ناصر دفع لك ثمن سكوتك عشرين سنة، لكن اليوم الحقيقة صارت مجانية. اشترِ شرفك العسكري مرة ثانية. اشهد معنا، وإحنا نوعدك إننا بنحمي ليلى ونكشف ناصر قبل ما يوصل لك أو لعيالك."

نظر يوسف إلى الورقة الزرقاء، ثم إلى الهاتف الذي لا يزال يعرض تسجيل المكالمة. 

يوسف (بصوت يرتجف): "لو شهدت.. ناصر راح يمحيني كأني ماكنت موجود. أنتم مستعدين لهاللحظة؟"

أطبق يوسف عينيه بقوة، ثم تنفس بعمق وقال وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة: "خلوني أفكر.. عطوني الليلة بس. الخروج من تحت يد ناصر مو سهل، والسكين اللي على رقبة عيالي لسه موجودة."

مشهد: السيارة (شكوك في طريق العودة)

بمجرد خروجهما من المزرعة، كان الصمت يسود السيارة، لكنه لم يكن صمت راحة، بل صمت ترقب. عمر يقود وعيناه تجوبان المرايا الجانبية، وسارة تعبث بطرف سترتها بتوتر.

سارة (تتنهد): "أنا حاسة إنه راح يبيعنا يا عمر. الخوف اللي شفته في عيونه أكبر من أي حقيقة." 

عمر (يضرب المقود بخفة): "المهم الحين إننا تأكدنا.. ناصر المستشار هو نفسه ناصر صاحب مجموعة النخبة. العدو الحين صار له وجه واسم ومكان."

بعد رحيلهما بدقائق، كان يوسف يقف خلف نافذة الملحق يراقب أضواء سيارتهما وهي تتلاشى. يده كانت ترتجف وهي تمسك بهاتف قديم (غير ذكي). ضغط على رقم محفوظ في ذاكرته منذ سنوات.

يوسف (بصوت يرتجف): "طال عمرك.. اعتذر على الإزعاج في هالوقت.. لكن فيه موضوع خطير." 

صوت ناصر (بارد، من خلال الهاتف): "تكلم يا يوسف، أيش اللي خلاك تتصل بعد كل هالسنوات؟"

يوسف: "جاني شاب وبنت.. معهم النسخة الكربونية تبع تقرير الحادث.. والأدهى من كذا طال عمرك .. معهم 'تسجيل' لمكالمة قديمة لك وشخص يقولك ان العملية تمت وان البنت الصغيرة ليلى مو معهم."

ساد صمت مرعب من جهة ناصر، صمت جعل يوسف يتصبب عرقاً. 

ناصر (بصوت هامس كفحيح الأفعى): "تسجيل؟.. اسمعني يا يوسف.. ابقى عندك ولا تتحرك"


خلف الجدران (الملاذ الرقمي)

توقفت سيارة عمر أمام منزلهما بهدوء مريب. نزلت سارة وهي تشعر بثقل "الورقة الزرقاء" في حقيبتها. بمجرد دخولهما، سارعت بإغلاق القفل الحديدي، وتبادلت مع عمر نظرة أخيرة قبل أن يتجها لغرفهما.

في غرفة سارة: ارتمت سارة على سريرها بملابسها، تحدق في السقف. كان صوت "ناصر" في التسجيل يتردد في أذنيها كفحيح الأفعى. أغمضت عينيها، لكنها كانت تدرك أن النوم الليلة هو رفاهية لا تملكها.

في مقر عمر (الغرفة المجاورة): أغلق عمر باب غرفته بالمفتاح. لم يتجه للسرير، بل جلس أمام شاشاته الثلاث التي أضاءت وجهه بوميض أزرق بارد.

عين الإعصار (انكشاف الهوية)

في مكتبه المظلم، لم تكن أضواء المدينة تغري ناصر بالنظر؛ فالعالم الحقيقي بالنسبة له هو ما تعرضه الشاشات. بعد أن أنهى مكالمته مع يوسف، أدخل كلمة المرور في تطبيق الكاميرا المخفية المزروعة في نخلة المزرعة.

أعاد الشريط، وعيناه تلاحقان حركة عمر وسارة. قام بعمل "تكبير" (Zoom) على ملامح سارة، ثم عمر، وأخيراً ركز على لوحة السيارة. التقط صورة للشاشة (Screenshot) وأرسلها في رسالة مشفرة إلى أحد معارفه النافذين في القطاع المعلوماتي.

لم تمر عشر دقائق حتى رن هاتفه. 

ناصر (ببرود): "تكلم.." 

الطرف الآخر: "السيارة مسجلة باسم عمر عبدالله، فني تقني. وحيد، ماله إلا أخت واحدة اسمها سارة. طال عمرك أخته تشتغل في الأرشيف المركزي للقضايا."

ابتسم ناصر ابتسامة جليدية وهو يطابق الصور التي وصلته بصور الكاميرا : "تمام يعطيك العافية"

وقف ناصر أمام النافذة الزجاجية الضخمة التي تطل على أضواء المدينة، وكأنه يراقب رقعة شطرنج تخصه وحده. ضغط على زر الاتصال بـ (صاحب الولاعة)، وبمجرد أن فتح الخط، ألقى القنبلة في وجهه دون أي مقدمات.

ناصر (بصوت هادئ ومخيف): "فهد.. تذكر مكالمتنا ليلة حادث عبدالله؟ المكالمة اللي قلت لي فيها إن البنت ليلى لسه حية؟"

ساد صمت مفاجئ من الطرف الآخر، قبل أن يأتي صوت فهد مرتبكاً: "أكيد أذكرها يا ناصر.. ليلة مثل هذيك ما تنسى. بس ليه تسأل عنها الحين؟"

ناصر (يضغط على مخارج الحروف): "فهد.. أنت كنت مسجل مكالمتي معك ذيك الليلة؟"

هذه المرة، سقط الصمت كالجبل على فهد، وسمع ناصر صوت أنفاسه المضطربة بوضوح عبر الهاتف قبل أن يرد بجحود واضطراب واضح. 

فهد: "تسجيل؟! ناصر، أنا مستحيل أسجل مكالمة لنا، أنت تعرفني!"

نهض ناصر ببطء، وتوقف أمام زجاج النافذة حيث انعكس وجهه البارد. 

تكلم ناصر (بحزم): "ما يهمني إذا فيه تسجيل فعلاً أو لا الحين.. اللي يهمني إن 'الأثر' موجود، والورقة الزرقاء لسه حية. يوسف صار عبء وانتهت صلاحيته، والاثنين هذول (عمر وسارة) صاروا خطر حقيقي. يوسف لازم يختفي الليلة، والمزرعة لازم ترجع أرض بيضاء. أما سارة وعمر.. أبيك تمسحهم من الخريطة يا فهد. التسجيل والورقة الزرقاء أبيهم على مكتبي قبل ما تطلع شمس بكرة."

أغلق ناصر الخط قبل أن يسمع رد فهد، تاركاً إياه في مواجهة ليل لن ينتهي إلا بالدم.

مشهد: ذاكرة النار (خيانة الذات)

أغلق فهد الهاتف، وساد صمت خانق داخل سيارته المركونة في زاوية مظلمة. رفع يده اليمنى التي اعتادت ملامسة الفولاذ البارد لولاعته الشهيرة، وبدأ يضغط على غطائها.. "تيك!..تيك!.. تيك!". كان الصوت الرتيب يملأ الفراغ، بينما لهب الولاعة يرقص أمام عينيه، عاكساً ملامحه التي غزاها القلق.

كان ذهنه يتسابق مع الزمن، يعود عشرين سنة للوراء.. إلى ليلة الحادث. تذكر كيف وضع جهاز التسجيل الصغير بجانب سماعة الهاتف وهو يرتجف، ليس خيانةً لناصر، بل خوفاً منه. كان يعلم أن ناصر رجل يمسح آثاره دائماً، فقرر فهد أن يمتلك "حبل مشنقة" يضع رأس ناصر مع رأسه إذا ما قرر ناصر التضحية به يوماً ما.

فهد (يهمس بذهول): "كيف طلع التسجيل؟ أنا نفسي نسيت إنه عندي.."

كان يظن أن هذا السر دُفن تحت غبار السنين في جهازه، لكن يبدو أن الأشباح التي صنعها بيده بدأت تطارده الآن. كان يخطط ألا يذهب لحبل المشنقة وحيداً إذا غدر به ناصر، والآن، هذا السلاح نفسه قد يصبح السبب في نهايته على يد ناصر.

قطع حبل أفكاره المشتعلة صوت نغمة رسالة حادة. فتح الهاتف، لتضيء شاشته وجهه القاسي بصور عمر وسارة. وتحتها، ظهرت نقطة حمراء على الخريطة الرقمية.. إحداثيات منزلهما.

أطبق فهد قبضته على الولاعة حتى كادت تنغرس في راحة يده، ثم أطفأ اللهب بضغطة واحدة حاسمة. نظر إلى الإحداثيات التي أرسلها ناصر، وقرر تغيير الخطة؛ يوسف رجل عجوز ومحاصر في مزرعته، أما هؤلاء الشباب فهم من يملكون الأدلة التي تهدد رقبته قبل رقبة ناصر.

فهد (بصوت فحيح): "الدليل أولاً.. وبعدها يوسف."

أدار مفتاح التشغيل، وزأر محرك السيارة السوداء في سكون الليل، وانطلق بسرعة متجهاً مباشرة نحو الحي الهادئ حيث يسكن عمر وسارة.


مشهد: تحت أنظار الموت

وصل فهد إلى الشارع المؤدي للمنزل. أطفأ أنوار السيارة قبل وصوله بمسافة كافية، وتركها تتدحرج بهدوء حتى توقفت في زاوية معتمة تطل على باب بيت عمر.

نزل من السيارة بسكون تام، مرتدياً قفازاته السوداء. وقف يراقب المنزل من بعيد؛ كان ضوء وحيد ينبعث من نافذة الدور العلوي (غرفة عمر)، بينما ساد الظلام بقية أرجاء البيت. استل مسدسه من خلف ظهره، وتأكد من كاتم الصوت، ثم بدأ بالتحرك مشياً ببطء، محاذياً الجدران بمهارة رجل اعتاد تنفيذ مهامه في الظل.

عندما وصل إلى الباب الخارجي، أخرج هاتفه ليتأكد من ملامح "عمر" في الصورة مرة أخيرة. سحب نفساً عميقاً، وأخرج من جيبه قطعة معدنية صغيرة لفتح الأقفال (Picklock).


مشهد: السباق مع الزمن

في الداخل (غرفة عمر): كان عمر غارقاً في صمته، وجهه مشبع باللون الأزرق المنبعث من شاشات المراقبة التي قسمت المشهد إلى زوايا ميتة. عيناه لم تتحركا عن الشاشة التي تبث زقاق الشارع والحوش، ثم الممر المؤدي للصالة. رأى الظل الأسود وهو يتسلل بخفة، وشاهد فهد وهو يقف في الحوش، يحدق في الباب الداخلي وكأنه يقرأ شيفرة القفل.

في الممر المظلم (غرفة سارة): خلف الجدار الملاصق، كانت سارة لا تزال تتقلب في فراشها. شعور الانقباض في صدرها وصل لذروته، لكنها لم تسمع أي صوت غريب؛ فهد كان يتحرك كالشبح. كانت سارة تفصلها أمتار قليلة عن الممر الذي سيخطو فيه فهد بعد ثوانٍ.

في الحوش (خارج الباب الداخلي): وقف فهد أمام مدخل الصالة مباشرة. وضع يده في جيبه، وضغط على غطاء ولاعته، ليصدر صوت "تيك!" معدني خافت جداً، ابتلعته هبة ريح باردة مرت بالحي. سحب مسدسه المزود بكاتم صوت، ووضعت يده الأخرى على مقبض الباب الداخلي.

ببطء شديد، بدأ فهد في تدوير المقبض، وعينه على شق الباب الذي بدأ يفتح سنتيمتراً تلو الآخر، ليمد بصره داخل الصالة المظلمة.


مشهد: فخ "النقطة البيضاء" (منزل عمر وسارة)

بمجرد أن استقر جسد فهد بالكامل داخل الممر، ضغط عمر على الزر. في تلك اللحظة، تحولت النقطة البيضاء على شاشته إلى اللون الأخضر، وانفجر السكون في المنزل.

فجأة، تحول ظلام الصالة إلى بياض مرعب؛ كشافات بقوة آلاف الشموع ثبتت على وجه فهد من كل اتجاه، مع صوت ارتطام عنيف للزجاج الخلفي. 

قائد فرقة المداهمة (يصرخ بقوة): "ثبّت! اررررمِ السلاح! أنزل على الأرض!"

تسمر فهد في مكانه، الضوء أعماه تماماً، وعشرات النقاط الليزرية الحمراء رقصت على صدره ورأسه. حاول رفع مسدسه في رد فعل غريزي، لكن صوت "تلقيم" الأسلحة الآلية حوله كان أسرع. 

القائد: "ارمِ المسدس ولا تتحرك! البيت محاصر بالكامل!"

سقط المسدس من يد فهد المرتجفة، وفي غضون ثوانٍ كان رجال القوات الخاصة فوق ظهره، يثبتونه على الأرض بقوة جعلت وجهه يرتطم بالسيراميك. 

خرجت سارة من غرفتها وهي تصرخ من الرعب، تائهة بين بريق الأضواء المسلطة وصوت الصرخات، لتجمد مكانها وهي ترى عمر يفتح باب غرفته ببطء.

كان وجه عمر شاحباً تحت ضوء الشاشات الذي لا يزال ينعكس في عينيه، لكن ملامحه كانت مستقرة بشكل مريب. تقدم نحو سارة بخطوات ثابتة، ووضع يده على كتفها وهو يهمس ببرود:"الأمور طيبة يا سارة.. إحنا بأمان الحين."

في نفس اللحظة، كان الصمت في مكتب ناصر الفاخر يُهتك بصوت تحطم الباب الرئيسي. دخلت فرقة العمليات الخاصة بانتشار تكتيكي مذهل.

كان ناصر لا يزال واقفاً أمام النافذة، يظن أن فهد ينهي المهمة، ليتفاجأ بانعكاس أضواء الشرطة الزرقاء والحمراء على الزجاج أمامه. التفت ببطء ليجد فوهات البنادق موجهة لقلبه.

العقيد (يتقدم بخطوات ثابتة): "ناصر .. أنت رهن الاعتقال بتهمة القتل والتحريض على القتل، تزوير مستندات رسمية، وإدارة منظمة إجرامية." 

ناصر (بثبات زائف): "أنت عارف مع مين تتكلم؟ أنا فوق القانون." 

العقيد (يبتسم بسخرية): "نزل يدك وخلنا ننهي الموضوع بهدوء."

أُجبر ناصر على الركوع، وقُيدت يداه خلف ظهره، بينما كان يرى إمبراطوريته "النخبة" تنهار أمام عينيه في دقائق.


مشهد: نهاية الصمت (المزرعة)

بعيداً عن ضجيج المدينة، كانت المزرعة تعيش هدوءها الأخير قبل يقتحم الجنود الملحق، ليجدوا يوسف جالساً على سجادة الصلاة، لم يبدِ أي مقاومة، بل كان يبكي بهدوء وكأنه ينتظر هذه اللحظة منذ عشرين عاماً.

الضابط: "يوسف (....)؟ قم معنا، أنت مطلوب للشهادة." 

يوسف (يغطي وجهه بيديه): "تأخرتوا كثير.. كان لازم تجون من زمان. الحين بس أقدر أتنفس."

بينما كان يوسف يُقاد للسيارة، كان يرى ضباط القوات الخاصة يطوقون المزرعة بالكامل،


مشهد الختام: التنسيق المذهل

في غرفته، تنهد عمر بعمق وهو يرى ثلاث إشارات خضراء تومض على شاشته

أغلق عمر لابتوبه ببطء، والتفت لسارة التي كانت ترتجف عند الباب. 

عمر: "سارة.. ليلى الحين بأمان. والقصة اللي بدأت بدم.. راح تنتهي بالحق."

ملحوظة إضافية :

كانت زيارة عمر وسارة للمزرعة "طُعماً" صُمم بدقة متناهية؛ لم تكن مجرد محاولة لاستنطاق يوسف، بل كانت الضربة التي ستحطم حصون "النخبة".

في الليلة الماضية، كان عمر يجلس في المكتب المعتم للعقيد —صديق والده القديم— ويضع أمامه الملفات الورقية والتسجيل كمن يضع قطع لغزٍ قاتل.

في تلك الليلة، وبأمر قضائي عاجل، وُضعت خيوط الاتصال الخاصة بـ "ناصر تحت مجهر العقيد. 

ابتسم العقيد بهدوء وهو يراجع خطته مع عمر: "يا عمر، يوسف جبان.. ولو ما كان جبان ما كان سكت كل هالسنين. ومجرد ما تحشره وتواجهه بالحقيقة، بيركض لـ ناصر يحتمي فيه. وناصر أول ما يدرى إن فيه تسجيل يوثق مكالمة يوم الحادث، بيطير عقله ويجن جنونه.. أكيد وقتها بيكلم صاحب الولاعة، يده القذرة اللي يخلص له كل شي، عشان ينهي الموضوع ويقفل الملف بطريقته."

وهذا ما حدث بالضبط.

[غرفة العمليات - ساعة الصفر] ساد الصمت الغرفة إلا من أزيز أجهزة التنصت. على الشاشة، بدأت الموجات الصوتية بالاضطراب معلنةً وقوع "يوسف" في الفخ. كان صوته يرتجف عبر الهاتف، يخبر ناصر برعب عن الزائرين وعن "التسجيل" الذي يهدد عرشهم.

في تلك اللحظة، رصدت الأجهزة المكالمة التالية: ناصر يتحدث في هاتفه، والطرف الآخر ليس سوى "فهد".. الاسم الحقيقي للرجل الذي لم يعرفه عمر إلا بوهج ولاعته المشؤومة. أصدر ناصر أمره القاطع: "أبيك تمسحهم من الخريطة يا فهد."

تحركت قطع الشطرنج على الرقعة في آنٍ واحد. أصدر العقيد أوامره المشفرة لثلاث فرق:

  • في منزل عمر: كانت الفرقة الأولى تذوب في الظلام، ينتظرون "صاحب الولاعة" ليقع في شر أعماله.

  • في محيط المزرعة: كانت الفرقة الثانية تطوق المكان بصمت مطبق، تراقب انكسار يوسف وتنتظر الإشارة.

  • في برج النخبة: كان العقيد بنفسه يقود القوة التي ستقتحم عرين "ناصر".

بينما سارة كانت تحاول النوم بقي الجميع في حالة "سكون ما قبل العاصفة"، بانتظار إشارة "عمر" المتفق عليها. كان التنسيق عبقرياً؛ فالهجوم يجب أن يكون صاعقاً، متزامناً، وفي لحظة واحدة، لكي لا يجد أي منهم ثغرة للهروب أو إتلاف دليل.

[في لحظة الصفر] وقع الجميع في الفخ.. وانتهت اللعبة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقبرة في ملف صوتي

"تنويه: جميع الشخصيات والأحداث والأسماء الواردة في هذه الرواية هي من وحي خيال الكاتب، لا يقصد منها الإساءة أو الإشارة لأي فرد أو جهة ف...