مكالمة الأمهات
في هذه الأثناء، كانت أم نورة واقفة في الصالة، وقد سمعت أطراف الحديث الذي دار في المجلس، ورأت حالة الانكسار التي خرج بها راشد، والانهيار الذي دخلت به ابنتها لغرفتها. لم تقتنع الأم يوماً بأن نورة تملك هذه القسوة، وأيقنت أن هناك يداً خفية تعبث ببيتها.
لم تتردد، رفعت سماعة الهاتف واتصلت بـ أم راشد مباشرة.
رن جرس الهاتف في بيت أم راشد، وما إن أجابت حتى شعرت بنبرة القلق في صوت جارتها وصديقتها أم نورة.
أم راشد (بفزع): "خير يا أم نورة؟ أيش فيك يا خيتي تكلمي.. شغلتِ بالي، عسى ما شر؟"
أم نورة (بصوت يملؤه الهم): "يا أم راشد، نورة لها يومين عندنا في البيت، وكنت أقول في نفسي هي سحابة صيف وتعدي، موضوع بسيط وبينحل بين زوج وزوجته وما حبيت أتدخل عشان ما تكبر السالفة.. لكن اللي شفته اليوم ماهي قصة موضوع بسيط أبدًا. راشد جاء قبل شوي يبي يراضيها، ونورة صدته ببرود ما يشبهها ولا يشبه طبعها، والحين العيال جالسين يهدمون بيتهم بيدهم! نورة منهارة في غرفتها، وراشد طلع من عندنا مكسور الخاطر ووجهه ما يتفسر.. أول مرة أشوف نورة بالشكل القاسي هذا، مدري أيش اللي صار لها يا أم راشد، وأنا والله خايفة عليها من الندم بعد فوات الأوان."
أم راشد (بتنهيدة ضيق وقد بدأت تربط الخيوط): "يا أم نورة، أنا شفتها قبل كم يوم جالسة مع سعاد في الكوفي، واستغربت وقتها وقلت في نفسي أيش اللي يجمع نورة بسعاد؟ نورة يا قلبي عليها طيبة وغشيمة وما تعرف تميز الخبيث من الطيب، وسعاد الكل يعرف إن مالها مصلحة في استقرار البيوت ولا تحب الخير لأحد. لازم نوقف هالمسخرة يا أم نورة قبل لا يوصلون العيال لطريق مسدود ما منه رجعة."
أم نورة (بتساؤل): "وش الشور؟ وكيف نتصرف والوضع متأزم كذا؟"
أم راشد (بحزم): "حاولي بطريقتك تاخذين جوال نورة.. لازم نعرف وش اللي جالس ينكتب لها، ومين اللي جالس يبخ السم في أذنها."
نزع القناع.. ومواجهة الحقيقة
بعد مكالمتها مع أم راشد، وقفت أم نورة أمام باب غرفة ابنتها لثوانٍ، تحاول استجماع شجاعتها. كانت تسمع شهقات نورة المكتومة من خلف الباب. فتحت الباب بهدوء، ووجدت نورة محتضنة وسادتها والجوال لا يزال في يدها، يضيء بإشعارات متتالية.
أم نورة بنبرة هادئة وصارمة في آن واحد: "نورة.. اعطيني الجوال." نورة ارتبكت وخبأت الجوال خلف ظهرها: "ليه يمه؟ ما فيه شيء، قاعدة أكلم صديقاتي." الأم تقدمت خطوة ونظرت في عيني ابنتها: "نورة، أنا أمك وأعرفك.. البرود اللي كان في المجلس مو أنتِ، والكلام اللي قيل لراشد مو كلامك. فيه أحد جالس يحركك مثل العروسة بخيوط، وأنا ماراح أسمح لبيتك ينهدم وأنا أتفرج. اعطيني الجوال الحين."
تحت نظرات الأم الحازمة، سقطت دفاعات نورة. مدت يدها بالجوال وهي ترتجف. فتحت الأم المحادثة الأخيرة، لتجد سيلاً من الرسائل من سعاد: "لا تضعفين.. خليه يذوق المر.. قولي له محتاجة مساحة..".
قرأت أم نورة الرسائل ويدها ترتجف من الغضب،صُدمت وهي تقرأ "هندسة الخراب" التي كانت تمارسها سعاد؛ قرأت كيف كانت تأمرها بالبرود، وكيف لقنتها كلمة "المساحة"، وكيف كانت تحرضها على كسر كبرياء زوجها.ثم نظرت لنورة وقالت بأسى: "سعاد؟ تبيعين زوجك وبيتك عشان سعاد يا نورة؟ اللي خربت بيتها بيدها وجاية اللحين تكمل على بيتك؟"
لم تضيع أم نورة دقيقة واحدة، اتصلت فوراً بـ أم راشد وأخبرتها بكل ما رأت: "يا أم راشد، البنت كانت مغيبة، سعاد هي اللي كانت تحركها بالرسائل وتملي عليها الكلام ."
أم راشد : "راشد ولدي وأنا أعرفه، الحين هو في قمة غضبه وكبرياؤه جرحه، وخوفي يسوي شي نندم عليه كلنا.. أنا بكلمه الحين وأحاول أهديه، وأنتِ يا أم نورة، لازم تنهي علاقة نورة بسعاد فوراً".
كشف الأوراق.. وعودة الروح
في الجانب الآخر.. كبرياء راشد الجريح في هذه الأثناء، كان راشد يقود سيارته بسرعة جنونية في شوارع المدينة، يحاول الهرب من صدى كلمة "مساحة" التي رمتها نورة في وجهه. رن جواله، وحين رأى اسم أمه، سحب نفساً عميقاً ورد بصوت مخنوق: "هلا يا يمه.."
أم راشد (بهدوء): "كلمتني أم نورة يا ولدي.."
قاطعها راشد بمرارة: "يا يمه لا تكلميني في الموضوع! نورة اختارت طريقها، واليوم قالتها لي بوجهي.. تبغى مساحة، وأنا بعطيها مساحة العمر كله. اللي يبيعني عند أول عثرة ما يلزمني."
أم راشد بحكمة الأم: "اهدأ يا راشد، ولا تأخذك العزة بالإثم. نورة طيبة، واللي صار اليوم مو منها.. البنت مسحورة بكلام سعاد وقصصها. أنا شفتهم بعيني في الكوفي قبل أيام، واللحين أمها كشفت المستور في جوالها وعرفنا مين اللي كان يملي عليها هالكلام."
راشد بسخرية مريرة: "حتى لو كان كلام غيرها يا يمه، هي اللي نطقت به! هي اللي سمحت لغيرها يدخل بيني وبينها، وهي اللي خلتني أطلع من بيت أهلها وأنا مكسور الخاطر. وش بقى للكرامة؟"
أم راشد: "بقى الحب يا ولدي. سعاد تبي تشوفك في هذه الحالة، تبي تكسر بيتك مثل ما انكسر بيتها. هل بتعطيها اللي تبي؟ ارجع لبيتك، واهدأ، ولنا كلام ثاني بكره."
المواجهة الكبرى: نزع السم
في بيت أهل نورة، وبعد أن أنهت أم نورة مكالمتها الحاسمة مع أم راشد، دخلت غرفة ابنتها التي كانت ملقاة على سريرها وسط حطام دموعها. وقفت الأم أمامها وبنبرة تجمع بين الحزم والشفقة، قالت:
"الصح يا نورة إنك تفتحين قلبك لزوجك، مو لغريبة تهدم حياتك وهي تضحك! الحين يا بنتي ما فيه إلا حل واحد.. بكره الصبح، وبعد ما تتأكدين إن راشد طلع لشغله، تاخذين سيارتك وترجعين لبيتك. وإذا رجع راشد من دوامه، لازم يلقى بيته مثل ما كان قبل لا تدخل هالعقربة حياتكم.. تطلبين منه السموحة، وقبل هذا كله.. تعلمين سعاد إن دورها في حياتك انتهى للأبد."
نظرت نورة لأمها بخوف وقلق ينهش قلبها:
"أخاف ما يتقبلني يا يمه.. راشد كان يطالعني بنظرة عمري ما شفتها في عيونه، نظرة واحد طاب خاطره وانكسر فيه شي صعب يرجع."
في تلك اللحظة، رن الجوال في يد نورة بعنف.. كانت سعاد هي المتصلة. يبدو أنها استغربت صمت نورة الغريب وتجاهلها لرسائل التحريض الأخيرة، فأرادت أن تتأكد أن "تلميذتها" لا تزال تحت سيطرتها.
نظرت الأم للجوال ثم لابنتها وقالت بصرامة:"ردي عليها.. وافتحي السماعة! خلنا نسمع آخر هالمسخرة."
ردت نورة بصوت باهت يرتجف: "هلا سعاد.."
جاء صوت سعاد مشحوناً بحماس خبيث وقلق مستتر: "نورة! وينك؟ صار لي ساعة أرسل لك وما تردين، وش صار؟ بشريني! أكيد الحين هو ميت من القهر ومنهار. اسمعي، لو اتصل بكره لا تردين عليه أبد، خليه يذوق المرّ، خليه يغلي عشان يعرف قيمتك صح!"
لم تحتمل الأم أكثر؛ سحبت الجوال من يد نورة بقوة، وقالت بصوت يهز أركان الغرفة:
"اسمعي يا سعاد! نورة لها أهل يحمونها، ولها زوج بيصون بيتها.. بيوت الناس مو مختبر لتجاربك الفاشلة ولا ممر لنقصك! ابعدي عن بنتي، ولا والله يا سعاد ليكون لي تصرف ثاني معك يخلي القاصي والداني يعرف حقيقتك وقذارة فعايلك."
ساد صمت قاطع وبارد من جهة سعاد، ثم أقفلت الخط بسرعة وكأنها أدركت أخيراً أن اللعبة انتهت،وأن حصونها التي بنتها داخل عقل نورة قد انهارت
فجر جديد: الرجوع للمرفأ
قضت نورة ليلتها بين الاستغفار والبكاء، تسترجع كل لحظة مرت بها الأيام الماضية، وتلعن تلك اللحظة التي سمحت فيها لسموم "سعاد" أن تتسلل إلى قلبها. كانت تشعر وكأنها خانت نفسها قبل أن تخون راشد، وكأنها هدمت بيتها بيديها.
وقبل أن تشرق الشمس، حسمت أمرها. وقررت انها لن تنتظر خروج راشد لعمله, حملت حقيبتها، وخرجت بخطوات مترددة، لكن قلبها كان يركض قبلها. ركبت سيارتها، وأدارت المحرك، كانت تقود باتجاه بيتها، وقلبها يخفق مع كل دورة للمحرك، وعيناها تراقب الطريق الذي بدا طويلاً وموحشاً هذه المرة، وهي تكرر بلسان يرتجف: "يا رب.. لا تجعلني أصل بعد فوات الأوان، يا رب لا يكون كرهني."
وصلت إلى البيت، ورأت سيارة راشد في الكراج، فتنفس قلبها الصعداء. توقفت لحظة، وأغمضت عينيها تستجمع شجاعتها للدخول إلى عالمها الذي كادت أن تفقده. فتحت الباب بهدوء… ودخلت. كان البيت صامتاً… بارداً… ورائحة القهوة القديمة تملأ المكان بمرارة تشبه حالهما. تقدمت نحو غرفة النوم، كان الضوء الخافت للفجر يتسلل من بين الستائر، ليرسم مشهداً كسر ما بقي من قلبها.
رأت راشد؛ جالساً على طرف السرير، رأسه بين يديه، لا يزال بنفس ملابس الأمس.. رجل منهك، لم يكن نائماً، بل كان غارقاً في ذهول رجل هُدم بيته.
رفع رأسه حين سمع وقع خطاها، نظراته لم تكن غاضبة، بل كانت خليطاً موجعاً من الصدمة، والألم، وبقايا حب يرفض الانطفاء رغم الجرح. رأت في عينيه "ذبولاً" لم تعهده من قبل، وكأنه كبر عشر سنوات في ليلة واحدة.
ارتمت نورة عند قدميه، وانفجرت بالبكاء الذي حبسته طوال الطريق،
وقالت بصوت يتقطع من الندم: "راشد… أنا جيت أقول لك إن المساحة اللي طلبتها كانت أكبر غلطة سويتها في حقنا... أنا آسفة لأني خليت غيري يتكلم بلساني، وآسفة لأني شككت في حبك… وإني أستاهل كل اللي تسويه فيني… بس تكفى يا راشد، لا تتركني للمساحة اللي ضيعتني."
في تلك اللحظة، رغم الجرح الكبير، عرف راشد أن التي أمامه الآن هي "نورته" الحقيقية. وليست تلك النسخة الباردة التي واجهته عند أهلها. لم يطردها، ولم يحتضنها، اكتفى بنظرة طويلة مليئة بالعتب، ثم قام وخرج من الغرفة بصمتٍ ثقيل،لكنه ترك لها باباً مفتوحاً.. كان هذا الصمت هو "الفرصة الأخيرة" التي التقطتها نورة وهذا كان كافياً بالنسبة لها.
بداية الإصلاح
بمجرد خروج راشد، بدأت نورة معركتها الحقيقية؛ فتحت النوافذ ليدخل ضوء الشمس، أشعلت البخور الذي يحبه، رتبت الوسائد ونظفت كل زاوية، وكأنها تغسل أثر تلك الأيام الكئيبة.
دخلت المطبخ وأعدت الغداء الذي يحبه بكل تفاصيله الصغيرة التي تحفظها عن ظهر قلب. كانت تعمل، وقلبها يدعو ألا يغلق راشد قلبه في وجهها.
عند الساعة الرابعة عصراً، سُمع صوت مفتاح راشد في الباب. دخل بخطوات ثقيلة، يحمل معه تعب يوم طويل من التفكير المنهك، لكنه أول ما فتح الباب، وقف قليلا عند العتبة. ريحة البيت "عود وبخور".. الدفء اللي فقده رجع يملأ المكان، وهدوء يشرح الصدر، مو مثل صمت الجفاء اللي كان يعيشه.
تقدم ببطء ناحية المطبخ، وشاف نورة واقفة باناقتها البسيطة اللي يحبها. كانت تحاول تبين إنها مشغولة بالقدور، بس ارتباكها كان واضح
راشد (بصوت هادي وفيه عتب محب): "رجعتِ لبيتك يا نورة.. ورجعتي الروح معه."
نورة (بدموع): "راشد.. أنا آسفة، أنا ..."
قاطعها راشد وهو يقترب منها هذه المرة بلا غضب، بل بتعب السنين والاشتياق، حط يده على كتفها وقال بصوت حنون: "يا نورة.. الانشغال اللي شفتيه مني ما كان تجاهل، كنت احسب ان اللي اسويه صح واني كل ما ابذل مجهود اكثر بتحبيني اكثر ما كنت اتوقع اني راح اسيب كل هذا الفراغ بسبب انشغالي، بس روحتك هذيك الليلة وجعتني. ما تخيلت إنك ممكن تتركيني للوحدة. كنت أحسب إننا واحد، مهما صار ما نفترق. البيت هذا ما تبنيه الجدران، تبنيه قلوبنا لما تكون على بعض، مهما حاولوا الناس يخربون اللي بينا."
ميثاق جديد
جلسوا على السفرة، والأطباق ريحتها ترد الروح.
نورة: "راشد.. من اليوم ورايح، صدري هو صندوق أسرارك، وما راح أسمع إلا منك وعنك."
راشد (وهو يمسك يدها): "وأنا أوعدك يا نورة.. إن الشغل ما راح ياخذني من تفاصيلك، ولا راح أخلي للصمت مكان بينا مرة ثانية. البيت ينبني بالكلمة الطيبة، وينحفظ بستر القلوب."
وفي ذيك اللحظة، رن جوال نورة على الطاولة، وكان رقم غريب.. نورة نظرت للجوال بنظرة باردة، وقامت وحطته في الدرج البعيد بعد ماقفلته.
التفتت لراشد، وابتسامتها صافية لأول مرة من وقت طويل: "خلنا ناكل يا راشد.. اشتقت لهدوئنا، واشتقت لك."
الخاتمة
انتهت العاصفة وخلفت وراءها درساً لن ينسى.
تعلمت نورة أن "المساحة" الحقيقية تكون داخل قلب الزوج لا بالبعد عنه،
وتعلم راشد أن "الاهتمام" هو شريان الحياة للبيوت.
أما سعاد، فبقيت خلف شاشتها تبحث عن ضحية جديدة، لكنها خسرت نورة للأبد؛ لأن القلوب الصادقة إذا اكتشفت الزيف، لا تعود أبداً كما كانت.
تمت بحمد الله وتوفيقه.