الجزء الثالث: أرواح متباعدة
عاد راشد من عشائه مع ماجد في ساعة متأخرة. فتح الباب بهدوء شديد، حريصاً على ألا يصدر صوتاً، فهو لا يزال يعتقد أن نورة "تعبانة" كما أخبرته قبل خروجه.
وضع مفاتيحه على الطاولة وسكنت عيناه على الصالة المظلمة؛ كانت باردة، خالية من أي أثر لوجودها، حتى رائحة بخورها التي كانت تستقبله غابت الليلة.
دخل غرفة النوم على أطراف أصابعه. كانت الإضاءة خافتة جداً، ونورة ممدة على السرير، معطيةً ظهرها لجهته، وغارقة تحت اللحاف. وقف راشد مكانه لحظات، ينظر إلى كتفها الساكن. فكر للحظة أن يضع يده عليه، أن يسألها "صرتِ أحسن؟"، لكنه تراجع. غلب عليه تفكيره المنطقي: "هي نايمة الحين، لو صحيتها بكون أزعجتها.. خلها ترتاح".
بدّل ملابسه بصمت، واستلقى في طرفه من السرير. كان حريصاً حتى وهو يتغطى ألا يسحب اللحاف بقوة لئلا يوقظها.
أغمض عينيه وهو يشعر براحة زائفة؛ لأنه قام بما رآه "واجباً" تجاه تعبها. ولم يمر بباله أبداً أن نورة لم تكن نائمة.
في الجهة الأخرى، كانت نورة تفتح عينيها في الظلام، متمسكة بطرف اللحاف بقوة. كانت تسمع كل حركة يقوم بها؛ تسمع صوت أنفاسه، وصوت الساعة على الحائط الذي صار وقعه كالمطرقة. كانت تنتظر "معجزة".. تنتظر أن يكسر هو قاعدة الهدوء، أن يهمس باسمها، أو حتى أن يلمس كتفها ليتأكد من حرارتها. حين أحست بمرتبة السرير تهتز وهو يستلقي، ثم ساد الصمت التام، شعرت ببرودة قاسية تسري في عظامها.
"صدقت سعاد.." همست لنفسها بمرارة. "لو كنت مهمة عنده، ما كان قدر ينام قبل ما يتطمن علي".
كانت تلك اللحظة هي الأخطر؛ لأن راشد نام وهو يظن أنه "زوج مراعٍ"،
بينما بقيت نورة مستيقظة وهي تشعر أنها "زوجة منسية".
المسافة بينهما على السرير لم تكن تتجاوز الشبر،
لكن في تلك الليلة، كان الشبر يشبه الفجوة التي لا يمكن عبورها.
ومع خيوط الفجر الأولى، كانت نورة قد اتخذت قراراً؛ لن تكون هي من يبدأ الكلام بعد اليوم. فإذا كان راشد قد اختار الصمت، فهي ستتقن الغياب.. وهي في قمة حضورها.
في صباح اليوم التالي، استيقظ راشد وهو يشعر بأن الأمور ستعود لطبيعتها، فبالنسبة له "نورة أخذت كفايتها من النوم والراحة". لكن الصدمة كانت بانتظاره في المطبخ.
لم تكن نورة قد جهزت الفطور كعادتها. كانت جالسة على طاولة الطعام وكانت مشغولة بجوالها. لم ترفع عينها حين دخل، ولم تبادر بكلمة "صباح الخير".
قال راشد باستغراب: "صباح الخير.. ها، صرتِ أحسن اليوم؟" ردت نورة وعينها لا تزال على الشاشة: "الحمد لله." راشد: "طيب، جهزتي الفطور؟ ترى تأخرت على الدوام."
نورة ببرود تام: "والله ما سويت، تقدر تمر المخبز وأنت في طريقك."
وقف راشد مكانه مذهولاً. هذه ليست نورة التي يعرفها. وضع يده في جيبه، وشعر بنوع من الكبرياء يمنعه من السؤال "لماذا؟". هز رأسه وخرج من البيت بصمت، وهو يشعر بغصة لم يعهدها.
توجيهات سعاد.. "هندسة الجفاء"
بمجرد أن أغلق راشد الباب، أرسلت نورة رسالة لسعاد: "طلع وما فطر.. وأحسه انصدم من ردة فعلي".
جاء الرد الفوري من سعاد، وكأنها كانت تنتظر خلف الشاشة:
"ممتاز! الحين بدأ يحس إنك مو مضمونة. لا تضعفين يا نورة، الحين هو بيفكر طول اليوم ليش تغيرتِ، وهذا اللي نبغاه. الرجل ما يركض إلا ورا الوحدة اللي تنسحب منه. خلك رسمية، لا تتصلين، ولا تسألين متى يرجع. خليه هو اللي يدور عليك."
نورة كانت تشعر بوجع في قلبها، كانت تريد أن تلحق به وتعتذر، لكن نصيحة سعاد كانت تعمل مثل المخدّر: "تذكري يا نورة، كم ليلة نمتِ وأنتِ مقهورة وهو نايم يشخر؟ تذكري كيف تجاهل وجعك البارح وراح يتعشى مع صاحبه. الحين دورك".
في العمل.. التشتت الأول
في الموقع، كان راشد يمسك بمخططات البناء، لكن عقله كان في مكان آخر. لأول مرة، يمسك جواله كل عشر دقائق يتفقد "الواتساب". "ليش ما أرسلت؟ العادة ترسل دعاء الصباح.. أو تسأل إذا وصلت للمكتب". مرت الساعات، والجوال صامت. أحس راشد بضيق.. هل هو فعلاً مقصر كما قالت؟
العودة.. واختبار القوة
رجع راشد البيت بدري، في محاولة منه لترطيب الأجواء.
دخل وهو يحمل في يده "حلى" كانت نورة تحبه.
راشد: "نورة.. جبت لك الحلى اللي تحبينه، خلينا نتقهوى."
نورة كانت جالسة في الصالة، تقرأ في كتاب، ولم تلتفت له حتى: "شكراً، حطه في المطبخ.. مالي خلق للحلى الحين."
راشد هنا بدأ يفقد صبره: "نورة، وبعدين؟ أنا جيت بدري، وحاولت ألطف الجو.. وش اللي تبينه بالضبط؟"
نورة وضعت الكتاب بهدوء، ونظرت له بنفس البرود الذي تعلمته من سعاد: "ما أبي شي يا راشد.. مو أنت دايم تقول تعبان ومالك خلق تسولف؟ أنا الحين مالي خلق. ليش أنت مسموح لك، وأنا لا؟"
سكت راشد. الجواب كان مفحماً لأنه صادر من أفعاله هو في الماضي.
لكن نورة في تلك اللحظة، كانت تخفي رجفة يدها تحت الكتاب. كانت تمثل دوراً لا يشبهها،
لكن "سم" المقارنة الذي نفثته سعاد في أذنها جعلها ترى أن هذا هو الطريق الوحيد لكرامتها.
سعاد أرسلت في تلك اللحظة: "إذا سألك وش تبين، لا تطلبين اهتمام.. اطلبي مساحة. خليه يحس إن وجوده وغيابه صاروا واحد عندك. هذا اللي بيكسره ويرجعه لك مثل أول".
تجاهلت نورة نظرات راشد المنكسرة، وقامت لغرفتها، تاركة إياه في وسط الصالة مع "الحلى" الذي بدأ يذوب، تماماً كما كانت تذوب ملامح الاستقرار في بيتهما.
كسر الصمت.. وانفجار المكتوم
مرت ليلتان أخريان على ذلك الحال. راشد يحاول "الاقتراب" بحذر، ونورة تتفنن في "الانسحاب" بإتقان. الصمت الذي كان يسكن البيت في السابق كان بسبب الانشغال، أما الآن، فقد صار صمتاً "مقصوداً" يقطع الأنفاس.
في صباح اليوم الثالث، استيقظ راشد وهو يشعر بحمل ثقيل على صدره. لم يذهب للعمل مباشرة، بل جلس على أريكة المطبخ يراقب نورة وهي تحضر قهوتها بصمت آلي. لم تسأله إن كان يريد كوباً معه، ولم تلتفت لوجوده خلفها.
قال راشد بصوت منخفض لكنه حاد: "إلى متى يا نورة؟" لم تجب، استمرت في تحريك ملعقتها في الكوب. قام راشد ووقف أمامها، أجبرها على النظر إليه: "كلميني! وش اللي تغير؟ هل فيه أحد دخل بيننا؟ هل فيه كلام وصلك عني؟"
نورة، وهي تتذكر "تحصينات" سعاد الأخيرة: "لا تعطينه إجابات مباشرة، خليه يتخبط في أسئلته". ردت ببرود: "ما تغير شيء يا راشد. أنا بس صرت أحترم خصوصيتك وتعبك. مو أنت كنت تقول إنك محتاج هدوء لما ترجع؟ هذا أنا أعطيك الهدوء اللي كنت تبغاه."
راشد بمرارة: "هذا مو هدوء.. هذا هجر. أنا زوجك، مو غريب ساكن معك في فندق!" نورة بابتسامة باهتة: "الغريب في الفندق يلقى ابتسامة من الموظفين يا راشد.. أنا في هذا البيت ما كنت ألقى حتى نظرة."
رسالة سعاد: "خطة الانسحاب الكبير"
بعد خروج راشد غاضباً، اهتز جوال نورة. سعاد: "نورة، الحين هو في مرحلة الغضب.. يعني الخطة ماشية صح. الحين لازم تروحين لأهلك كم يوم، قولي له إنك محتاجة "مساحة" تفكرين فيها. إذا ما حس بفضاوة البيت عليه، ماراح يعرف قيمتك".
ترددت نورة. الذهاب لبيت الأهل يعني كشف المستور، يعني أن المشكلة كبرت. كتبت لسعاد: "أخاف تكبر السالفة ويدخلون أهلي". ردت سعاد فوراً: "يا قلبي، أهلك بيصفون معك. قولي لهم تعبانة ومحتاجة راحة. خليه يرجع لبيت فاضي، يغسل ملابسه بنفسه، وياكل لحاله. صدقيني، يومين وبيدق عليك يتوسل رجعتك".
ليلة الرحيل
رجع راشد للبيت ليلاً، وجد الأنوار مطفأة بالكامل باستثناء إضاءة خافتة في الممر. دخل ليجد حقيبة صغيرة موضوعة بعناية بجانب باب الصالة. قلبه سقط بين قدميه؛ فالحقيبة عند الباب في لغة البيوت تعني "النهاية" أو "الرحيل".
خرجت نورة من الغرفة بعباءتها، كانت بكامل هدوئها، تمسك بمفاتيح سيارتها في يدها. راشد بذعر محبوس: "على وين يا نورة؟" نورة بصوت هادئ، حاولت جاهدة أن تشدّ فيه نبرتها: "بروح بيت أهلي كم يوم.. محتاجة مساحة لنفسي، وأنت خذ راحتك في هدوئك وشغلك."
راشد تقدم نحوها خطوة: "بهذه البساطة؟ تتركين بيتك عشان "تغيرين جو"؟ وبدون ما تطلبين حتى أوصلك؟"
نورة وهي ترفع مفاتيح سيارتها وتنظر إليها: "السيارة عندي يا راشد، ما يحتاج أكلف عليك وأشغلك عن ارتباطاتك.. تعودت أقضي أموري بنفسي."
راشد أحس وكأنها "صفعة" غير مباشرة؛ فاستقلاليتها بالسيارة في هذه اللحظة جعلت رحيلها يبدو أكثر حزماً وأقل احتياجاً له.
راشد: "نورة، أنتِ تعرفين وش معنى طلعتك من البيت بهذه الطريقة؟"
نورة وهي تسحب حقيبتها وتتجه للباب: "أعرف إن وجودي هنا صار يشكل ضغط علي وعليك.. فما راح يفرق شي."
خرجت نورة، ركبت سيارتها، وشغل المحرك.. صوت السيارة في الكراج كان وقعه على راشد أقوى من صراخ العتاب. راقب أنوار سيارتها وهي تبتعد في ظلام الشارع، تاركةً خلفها بيتاً صار الآن موحشاً بشكل حقيقي.
دخل راشد غرفتهما، وجد السرير مرتباً بشكل غريب، ورائحة عطرها لا تزال عالقة في المكان. جلس على طرف السرير، نفس الطرف الذي كان ينام فيه وهو يظن أنها "نائمة"، لكنه الآن أدرك أنها كانت "تغادر" وجدانياً منذ زمن طويل.
في تلك اللحظة، رن جوال نورة وهي تقود سيارتها باتجاه بيت أهلها. سعاد (رسالة): "كفو يا بنت! الحين بدأت المعركة الحقيقية.. خليه يذوق طعم الوحدة ويفقد وجودك وصوت سيارتك في الكراج. خليه يعرف إنك قادرة تروحين وتجين بدونه".
لكن نورة، وهي تقبض على مقود السيارة بيد ترتجف، لم تكن تشعر بالنصر.. كانت تشعر ببرد في قلبها لم تدفئه كل كلمات سعاد، ولا حتى قدرتها على الرحيل وحدها.
وحشة المكان.. وصوت الضمير
قضت نورة ليلتها الأولى في غرفتها القديمة ببيت أهلها. ورغم أنها الغرفة التي شهدت أحلام طفولتها وتفاصيل نشأتها، إلا أنها شعرت بغربة موحشة تنهش صدرها. السرير الذي كان يوماً ملاذها صار ضيقاً لا يتسع لأفكارها المتضاربة، والهدوء حولها لم يكن السكينة التي تنشدها، بل كان صمتاً ثقيلاً يطبق على أنفاسها.
في الصباح، اهتز جوالها معلناً وصول رسالة من سعاد:
"صباح الاستقلال! ها.. كيف كانت أول ليلة بعيد عن النكد؟ أكيد الحين هو جالس يكلم نفسه، ويشوف البيت كيف صار كئيب وباهت بدونك. لا تردين على أي اتصال منه اليوم.. خليه يغلي!"
وضعت نورة الجوال جانباً بتنهيدة ثقيلة غصّت بها حنجرتها. لم تشعر بطعم "الاستقلال" الذي تحدثت عنه سعاد، بل شعرت بفراغ هائل.
دخلت عليها والدتها "أم نورة" وهي تحمل صينية الإفطار، وعيناها الحانيتان تقرآن ما خلف الملامح الشاحبة. وضعت الصينية وسألت بهدوء: "نورة يا بنتي.. أنتِ قلتي جاية تغيرين جو، بس وجهك وتعب عيونك يقولون كلام ثاني. صاير بينك وبين راشد شي؟"
حاولت نورة التهرب من نظرات أمها، وقالت وهي تصطنع الانشغال بترتيب غطائها: "لا يمه.. ما فيه إلا الخير، بس هو مشغول شوي بالدوام، وأنا اشتقت لكم وقلت أجيكم."
سكتت الأم لبرهة، لم تكن مقتنعة بكلمات ابنتها التي خرجت مرتجفة، لكنها آثرت ألا تضغط عليها أكثر. انسحبت من الغرفة بهدوء وأغلقت الباب خلفها، وهي تمني نفسها بأنها مجرد سحابة صيف عابرة، وأن يومين في بيت الأهل كفيلة بتهدئة النفوس وحل ما استعصى من مشاكل بينهما.
في بيت راشد.. الصمت القاتل
على الجهة الأخرى، استيقظ راشد على صوت المنبه الذي تكرر رنينه دون أن يسكته أحد. مد يده للجهة الأخرى من السرير.. كانت باردة ومرتبة بشكل مؤلم. قام ليحضر قهوته بنفسه، ونظر إلى طاولة الطعام المهجورة.
لأول مرة، يدرك راشد أن "النظام" الذي كان يعيش فيه لم يكن يسير من تلقاء نفسه، بل كانت هناك يد ناعمة تديره بصمت وتفانٍ.
في المساء، كانت نورة تتصفح "سناب شات"، لتجد سعاد قد نشرت صورة لقهوتها في مكان فخم وكتبت: "الحرية لا تُقدر بثمن.. العيش لنفسك أجمل بكثير من العيش لرضا من لا يقدرك".
شعرت نورة بنغزة. سعاد تعيش حياتها بالطول والعرض، بينما هي تجلس هنا محطمة القلب، تنتظر اتصالاً من راشد منعته هي عنه ببرودها.
فجأة، رن الجوال. المتصل: راشد. نبض قلب نورة بقوة. كانت تريد الرد، كانت تريد أن تصرخ "تعال خذني"، لكنها تذكرت تحذير سعاد الأخير: "إذا رديتي من أول مرة، بيعرف إنك كنتِ تنتظرينه، وبتخسرين كل اللي بنيناه".
لم ترد. رن الجوال مرة.. واثنتين.. ثم صمت. بعد دقائق، وصلت رسالة من راشد:"نورة.. البيت بدونك ماله طعم، أنا جاي بكره لبيت أهلك، وأتمنى ننهي هالموضوع."
قامت بتصوير الشاشة (Screenshot) وأرسلتها فوراً إلى سعاد.
كتبت نورة بلهفة: "سعاد، شفتي؟ اتصل مرتين وأرسل هذه الرسالة.. يقول إنه جاي بكره لبيت أهلي. قلبي يعورني، أحس إني ودي أرد عليه وأنهي كل شي، تعبت من البعد".
جاء رد سعاد ببرود شديد وكأنها تدير معركة عسكرية:"إياكِ تضعفين! شفتي كيف لما جرب طعم البيت دونك نزل كبرياءه؟ هذه هي البداية بس. إذا رديتي الحين، بيرجع لطبعه القديم بعد أسبوع. لازم يحس إن جيتك لبيت أهلك مو سهلة، وإن رجعتك لها ثمن. بكره إذا جاء، لا تطلعين له أول مايجي، خليه ينتظر في المجلس، خليه يحس بقيمتك فعلاً."
نورة بقلق: "بس أخاف يزعل ويروح، راشد كرامته غالية عليه".
سعاد: "اللي كرامته غالية عليه، يحافظ على كرامة زوجته ولا يهملها. اسمعي كلامي، وبكره بتشكريني".
المواجهة في المجلس
في اليوم التالي، العصر، وقفت سيارة راشد أمام بيت أهل نورة. استقبلته أم نورة بترحيب هادئ ومحب، ودخلته المجلس، وراحت لنورة غرفتها وقالت لها "راشد في المجلس يبيك"
نورة ببرود بدون ماتقوم من مكانها : "تمام"
بعد عشر دقائق كانت نورة واقفة خلف الباب، اهتز جوالها في يدها، رسالة من سعاد: "لا تطلعين الحين، انتظري خمس دقائق.. خليه يحس بالثقل".
حبست نورة أنفاسها، كانت دقات قلبها تسمع في أذنيها.
اللحظة الفاصلة
دخلت نورة المجلس، كانت خطواتها ثقيلة وعيناها زائغتان، لم تستطع أن تضع عينها في عين راشد الذي كان يراقب دخولها بلهفة وحيرة. لم ينم راشد منذ رحيلها، كان عقله يضج بالتساؤلات: "هل أخطأتُ لدرجة أنها لم تعد تحتمل؟ هل صمتي كان قاتلاً لهذا الحد؟".
كان راشد يحاول أن يجمع شتات نفسه، وبدأ يتحدث بنبرة هادئة وصادقة، نبرة رجل يحاول استعادة أغلى ما يملك: "نورة، أنا جيت اليوم لأني عرفت إن البيت بدونك مو بيت.. أنا مقدر إنك تضايقتِ، وجيت أعترف بظلمي لنفسي ولك بسب انشغالي.. خلينا نرجع ونفتح صفحة جديدة."
كان قلب نورة يهتز مع كل كلمة يقولها، كانت تريد أن ترمي بجوالها وتقول له "خذني معك الآن"، لكن صدى نصيحة سعاد الأخيرة كان يتردد خلف أذنيها: "لا تستسلمين من أول كلمة، اطلبي مساحة عشان يضل يركض وراك".
نورة بصوت متصنع القوة: "راشد، أنا محتاجة وقت أطول.. جيتي هنا خلتني أعيد حساباتي. أنا مو بس محتاجة وعود، أنا محتاجة أحس بوجودي."
راشد بصدمة واستغراب: "نورة، أنا جاي لعندك رغم إنك طلعتِ من بيتك وبنفسك وبسيارتك وبدون موافقتي.. وجاي أعتذر وأرضيكِ.. وش اللي تبينه أكثر؟"
نورة ببرود مصطنع: "أبي مساحة.. أبي أقرر متى أرجع."
هنا، شحب وجه راشد وتغيرت ملامحه تماماً. ساد صمت ثقيل للحظات، كان ينظر إلى وجه نورة وكأنه يبحث عن "نورة" التي يعرفها، لكنه لم يجد إلا قناعاً زجاجياً بارداً. أحس راشد فجأة أن الكلام غريب عنها، وأن الأسلوب ليس أسلوبها، لكنه لم يفهم السبب، فغلب عليه كبرياؤه المجروح.
قام ووقف وهو يقول بمرارة هزت كيان نورة: "كنت أظن إني جيت لزوجتي اللي تحبني وتعرف قلبي وطبعي.. لكن الظاهر إني جيت لوحدة ثانية ما أعرفها. براحتك يا نورة.. المساحة اللي تبينها صارت لك."
خرج راشد من المجلس بخطوات سريعة، وغادر بيت أهل نورة دون أن يلتفت خلفه.
سمعت نورة صوت محرك سيارته وهو يبتعد بقوة، ومع كل متر يبتعد فيه، كانت تشعر بجزء من أمانها يختفي. انهمرت دموعها رغماً عنها، وخرجت من المجلس مسرعة نحو غرفتها.
أمسكت جوالها بيد ترتجف وأرسلت لسعاد: "صار اللي قلتِ لك.. طلع وهو معصب، والحين أيش أسوي؟ ما راح يجي مرة ثانية أنا متأكدة وعارفة راشد زين!"
اهتز الجوال في يدها فوراً، رسالة من سعاد: "كفو! الحين بياكله الندم أكل. بكرة بيجيك وهو مكسور أكثر، ويحسب لك ألف حساب. اصبري ولا تضعفين".
نظرت نورة للجوال، ثم نظرت للباب المغلق، وشعرت لأول مرة بخوف حقيقي ينهش أحشاءها.. هل فعلاً سيرجع؟ أم أنها بدأت تفقد خيوط اللعبة؟