الأربعاء، 22 أبريل 2026

رجل دائمًا مشغول

 كان ماجد يعتقد أنه يفعل الشيء الصحيح.

يستيقظ باكرًا،
يذهب إلى عمله،
يعمل لساعات طويلة،
ويعود متأخرًا… منهكًا.

كل ذلك من أجل عائلته.

هكذا كان يقول دائمًا.


في البداية،
كانت زوجته "ريم" تفهم.

كانت تقول لنفسها:
"هذه فترة… وستنتهي."

وكان ابنه الصغير "سعد"
يقف كل مساء عند الباب،
ينتظر صوت المفتاح.

لكن المفتاح…
كان يأتي متأخرًا دائمًا.


في إحدى الليالي،
فتح ماجد الباب بهدوء.

وجد سعد نائمًا على الأريكة،
يمسك لعبة صغيرة بيده.

اقترب منه،
وحاول أن يحمله.

لكن الطفل استيقظ نصف استيقاظ،
ونظر إليه وقال بنعاس:

"بابا… أنت تجي بس وأنا نايم؟"

تجمّد ماجد.

لم يعرف ماذا يقول.

ابتسم…
وقال: "لا يا حبيبي… أنا دايم معك."

لكن الطفل…
عاد للنوم قبل أن يسمع الكذبة كاملة.


مرت الأيام.

كبرت المسؤوليات،
وكبر معها الغياب.

لم يعد الأمر مجرد تأخير،
بل أصبح غيابًا حقيقيًا.


في إحدى المرات،
قالت له ريم بهدوء:

"إحنا ما نحتاج فلوس أكثر…
إحنا نحتاجك."

رد بسرعة، وكأنه يدافع عن نفسه:
"أنا أسوي كل هذا عشانكم!"

نظرت إليه…
وقالت جملة قصيرة:

"بس إحنا ما طلبنا كذا."


لم تعجبه الجملة.

شعر أنها لا تقدر تعبه.

فصمت…
وعاد إلى عمله أكثر من قبل.


وفي يومٍ ما،
أقيم عرض مدرسي في مدرسة سعد.

كان الطفل يتحدث عنه منذ أسبوع.

"بابا، لازم تجي… أنا عندي دور!"

وعده ماجد.

هذه المرة،
قال في نفسه: "لازم أكون موجود."


لكن في نفس اليوم،
جاءه اتصال مهم.

اجتماع طارئ.

صفقة كبيرة.

تردد…
ثم قال: "بنهي الاجتماع بسرعة وألحق."

لكن الاجتماع طال…
ثم طال أكثر.

حتى انتهى كل شيء.


وصل ماجد إلى المدرسة متأخرًا.

القاعة كانت شبه فارغة.

والأضواء… بدأت تُطفأ.

سأل أحد الموجودين:
"العرض خلص؟"

رد الرجل:
"من زمان."


عاد إلى البيت بصمت.

فتح الباب…
ودخل.

وجد سعد جالسًا في زاوية الغرفة.

لم يكن يبكي.
ولم يكن غاضبًا.

فقط… صامت.


اقترب منه، وقال بابتسامة متوترة:
"كيف كان العرض؟"

لم ينظر إليه الطفل.

قال بهدوء:

"ما كان فيه أحد يصفق لي."

شعر ماجد بشيء ينكسر داخله.

جلس بجانبه، وقال:
"أنا آسف…"

لكن سعد رد بجملة واحدة فقط:

"عادي… أنا متعود."


في تلك اللحظة،
فهم ماجد شيئًا لم يفهمه طوال السنوات.

الغياب…
ليس في المرات الكبيرة فقط.

بل في التفاصيل الصغيرة…
التي تتكرر،
حتى تصبح عادة.


في تلك الليلة،
لم يفتح اللابتوب.

لم يرد على أي اتصال.

جلس بجانب ابنه،
وشاهد معه فيديو العرض الذي صوّره أحد المعلمين.

كان سعد على المسرح…
ينظر بين الحضور.

يبحث عن وجه واحد.

ولم يجده.


بكى ماجد.

ليس بصوتٍ عالٍ،
بل بصمت… يشبه الندم.


في اليوم التالي،
استيقظ مبكرًا.

لم يذهب للعمل.

جلس مع سعد على الفطور.

في البداية،
كان الطفل مستغربًا.

ثم ابتسم.


قال ماجد:
"اليوم… أنا فاضي."

نظر إليه سعد،
وقال بابتسامة صغيرة:

"طيب… نلعب؟"

رد ماجد فورًا:
"أكيد."


لم يكن هذا حلًا لكل شيء.

ولم تمحُ لحظة واحدة
سنوات من الغياب.

لكنها كانت بداية.


لأن بعض الأخطاء…
لا يمكن إصلاحها بسرعة،
لكن يمكن…
أن نتوقف عن تكرارها.


🌿 الرسالة:

أحيانًا نظن أننا نضحي من أجل من نحب،
لكننا ننسى أن أهم ما يحتاجونه…
هو وجودنا،
لا تعبنا فقط.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقبرة في ملف صوتي

"تنويه: جميع الشخصيات والأحداث والأسماء الواردة في هذه الرواية هي من وحي خيال الكاتب، لا يقصد منها الإساءة أو الإشارة لأي فرد أو جهة ف...