الأربعاء، 22 أبريل 2026

أنا صريح… أو هكذا أظن

 كان راشد يفتخر بشيء واحد دائمًا:

"أنا صريح… وما أحب النفاق."

كان يقولها بثقة،
وكأنها وسام يعلّقه على صدره.


في العمل،
كان يعلّق على أخطاء زملائه أمام الجميع.

يقول لأحدهم:
"شغلك ضعيف… واضح إنك مو فاهم."

ويضحك.

يظن أنه صادق.


وفي جلسات الأصدقاء،
كان لا يترك فرصة إلا ويحرج أحدهم.

"أنت سمنت كثير."
"واضح إنك ما تعرف تختار."
"هذا شكلك؟"

ثم يضيف ضاحكًا:
"لا تزعل… أنا صريح بس."


في البداية،
كانوا يضحكون.

أو يتظاهرون بذلك.

لكن مع الوقت…
بدأت المسافات تتسع.


لم يعد أحد يدعوه كثيرًا.

لم يعد أحد يشاركه تفاصيله.

حتى في العمل،
أصبحوا يتجنبونه.


لكنه لم يفهم.

قال في نفسه:

"الناس ما تحب الصراحة."


في أحد الأيام،
تم تعيين مدير جديد للقسم.

رجل هادئ… اسمه "سامي".


في أول اجتماع،
عرض راشد فكرة.

وبعد أن انتهى،
نظر سامي إليه وقال بهدوء:

"الفكرة تحتاج تطوير."


لم يحتمل راشد.

قال مباشرة:

"ليش؟ وضح… ولا بس تنتقد؟"


نظر سامي إليه،
ثم قال بنفس الهدوء:

"أنا أوضح… بس بأسلوب محترم."


سكتت الغرفة.


أكمل سامي:

"في فرق بين إنك تكون صريح…
وإنك تكون جارح."


شعر راشد أن الكلام موجه له…
لكنه تجاهله.


بعد الاجتماع،
استدعاه سامي إلى مكتبه.


جلس أمامه،
وقال له:

"أبغى أقول لك شي… يمكن ما يعجبك."


ابتسم راشد بسخرية:
"قول… أنا أحب الصراحة."


نظر إليه سامي… وقال:

"أنت مو صريح… أنت مؤذي."


تجمّد.


"اللي تسويه مو شجاعة…
هذا ضعف في اختيار الكلام."


حاول راشد أن يرد،
لكن الكلمات خانته.


أكمل سامي:

"الصراحة… إنك تقول الحقيقة،
لكن بطريقة تحفظ كرامة اللي قدامك.

أما اللي تسويه…
إنك تقول الحقيقة وتكسر اللي قدامك."


سكت للحظة… ثم قال:

"إذا كنت تظن إن الناس تبتعد عنك لأنهم ما يحبون الصراحة…
فأنت غلط."


اقترب قليلًا، وأضاف:

"هم يبتعدون… لأنهم ما يشعرون بالأمان معك."


خرج راشد من المكتب…
وهو يحمل كلمات لم يسمع مثلها من قبل.


في تلك الليلة،
جلس وحده.

تذكر مواقف كثيرة.

ضحكة صديقه التي كانت تخفي إحراجًا.
نظرة زميله حين انتقده أمام الجميع.
صمت الآخرين حين يتحدث.


لأول مرة…
رأى نفسه كما يراه الناس.


وفي اليوم التالي،
دخل العمل… مختلفًا.


في الاجتماع،
أخطأ أحد زملائه.

نظر إليه راشد…
ثم قال بهدوء:

"ممكن نحسن النقطة هذه لو سوينا كذا…"


نظر الجميع إليه… باستغراب.


لم يحرج أحدًا.
لم يضحك على أحد.


وبعد أيام،
جلس مع أصدقائه.

قال لأحدهم:

"ترى عندك شي ممكن تطوره… إذا حاب أقول لك؟"


ابتسم صديقه، وقال:

"قول."


قالها…
لكن هذه المرة… بلطف.


ولأول مرة،
لم يشعر أحد بالإهانة.


 النهاية:

بعد أسابيع،
قال له أحد زملائه:

"تدري؟ أنت تغيرت."


ابتسم راشد، وقال:

"يمكن… أول مرة أتعلم أكون صريح فعلًا."


 الرسالة:

الصراحة ليست أن تقول كل ما تفكر به،
بل أن تختار كيف تقوله.

لأن الكلمة…
إما أن تبني،
أو تكسر.

هناك تعليق واحد:

مقبرة في ملف صوتي

"تنويه: جميع الشخصيات والأحداث والأسماء الواردة في هذه الرواية هي من وحي خيال الكاتب، لا يقصد منها الإساءة أو الإشارة لأي فرد أو جهة ف...