الجزء الثاني: همس الشك.. وبداية الشرخ
في صباح اليوم التالي، كان كل شيء يبدو طبيعيًا في الظاهر.. أو هكذا حاولت نورة أن تقنع نفسها وهي ترتب وسائد السرير.
استيقظت مبكرًا كعادتها، رتبت البيت الذي تفوح منه رائحة البخور والهدوء القاتل،
صنعت قهوتها، وجلست في مكانها المعتاد بجانب النافذة.
لكن الشعور كان مختلفًا هذه المرة؛
ثمة غصة خفيفة في حلقها، وشعور بالنقص ينهش قلبها كلما نظرت إلى "غرفة الأطفال" الفارغة، التي تحولت مع الوقت إلى مخزن للملابس الشتوية وأدوات البيت.
مسكت جوالها، تقلب فيه بدون هدف، تهرب من التفكير في السؤال المرّ: "لماذا لا يبذل راشد جهدًا لنتحدث عن حل؟".
فجأة، اهتز الجوال باسم: سعاد. ابتسمت نورة ابتسامة باهتة؛ فسعاد ليست مجرد قريبة، بل هي الصديقة التي كانت دائماً حاضرة بـ "نصائحها" التي تبدو كالدواء.
وصلت رسالة: "صباح الخير يا قلبي.. كيفك اليوم؟ حلمت فيك وخفت عليك".
كتبت نورة بسرعة: "تمام الحمد لله، ما فيني إلا الخير".
لكن سعاد، التي تتقن قراءة ما بين السطور، ردت فورًا: "واضح إنه مو تمام.. نبرة كتابتك غريبة.. وش صاير؟ راشد ضايقك؟".
توقفت نورة لحظة؛ كانت بحاجة لصدر واسع يحوي تعبها. بدأت تكتب ببطء، ثم انهمر الكلام كالسيل؛ حكت عن صمته الذي أصبح جدارًا، عن انشغاله الدائم بالمشاريع، وعن شعورها بأنها "تحصيل حاصل" في حياته. وكلما كتبت، أحست بوزن ثقيل ينزاح عن صدرها، ولم تكن تعلم أنها تضع مفاتيح بيتها في يد الشخص الخطأ.
سعاد انتظرت قليلاً، ثم كتبت جملة هزت أركان نورة: "يا نورة.. الرجل إذا أحب بصدق، ما يخلي زوجته تنام وهي تحس إنها وحيدة، خصوصاً وأنتم لسه ربي ما رزقكم بطفل يملي عليكم البيت.. المفروض يكون هو كل أهلك، مو هو اللي يخليك تحسين بالغربة".
سكتت نورة.
الكلمة كانت قاسية لكنها لامست الجرح.
ردت بضعف: "يمكن ضغط الشغل، هو يتعب عشاني".
جاء رد سعاد كالسهم: "كلهم يشتغلون، بس مو كلهم ينسون زوجاتهم. أنتِ للحين صغيرة وجميلة وتستاهلين اهتمام أكثر.. لا تضيعين عمرك في انتظار واحد ما يشوفك".
لقاء "الكوفي".. والسم في العسل
في المساء، التقت نورة بسعاد في كافيه هادئ.
كانت سعاد تنظر لنورة بنظرة شفقة مصطنعة، وتمسك يدها قائلة: "نورة، أنتِ غلطتك إنك طيبة زيادة.. راشد تعود إنك دايم موجودة ومتفهمة، وتسامحينه على صمته.. الرجل مثل الطفل، إذا شافك دايم تضحكين بوجهه، بيظن إن الوضع عاجبك."
نورة بتردد: "طيب وش أسوي؟ أنا ما أحب المشاكل."
سعاد بابتسامة غامضة: "لا، مو هوشة.. بس "توازن". خليه يحس إنك ممكن تروحين من يده. خليه يرجع البيت وما يلقى الابتسامة المعتادة.. انشغلي عنه مثل ما هو منشغل عنك. الرجل ما يحس بقيمة الشي إلا إذا خاف إنه بيضيع منه."
في هذه الأثناء، صدف أن مرت "أم راشد" مع السائق في الشارع ذاته في طريقها الى موعد طبي. وكان المركز الطبي يقع بجانب الكافيه تماماً، وكانت أم راشد مستعجلة ومتأخرة عن موعدها، وبالها مشغول بآلامها وتفاصيل الموعد. لمحَت سيارة نورة واقفة في المواقف الأمامية، ومن خلف زجاج الكافيه، رأت نورة جالسة مع سعاد.
مر الموقف على أم راشد بسلام دون أدنى شك، ولم تكن تعلم أن تلك الجلسة كانت تدبيراً لشيء سيغير ملامح بيت ابنها.
العودة.. والبرد القارس
دخلت نورة البيت قبل وصول راشد بقليل.
لم تشعل البخور المعتاد، ولم تجهز القهوة. جلست في غرفتها، تمسك كتاباً لكن عينيها شاردتان.
حين دخل راشد، أحس بشيء غريب.. البيت مظلم والهدوء "ثقيل". نادى: "نورة؟". ردت بصوت خافت: "هلا.. أنا تعبانة وبنام."
دخل راشد الغرفة، واستغرب وجودها على السرير والوقت لا يزال مبكراً. اقترب منها بفضول حقيقي: "فيك شي؟".
نورة بدون أن تنظر إليه، تذكرت وصية سعاد عن "الثقل": "لا، بس محتاجة أرتاح.. لا تشغل النور."
وقف راشد مكانه، تردد ثواني، لكن طبيعته العملية التي تهرب من المواقف العاطفية المعقدة غلبت عليه: "طيب، بروح أتعشى برا مع ماجد دامك تعبانة.. ارتاحي. أجيب لك شيء معي؟".
نورة ببرود: "لا، سلامتك."
خرج وأقفل الباب خلفه. في تلك اللحظة، نزلت دمعة حارة على خد نورة. كانت تتمنى لو لم يخرج، لو جلس على طرف السرير وقال: "ما يهون علي تنامين وأنتِ متضايقة". لكنه فعل ما رآه "منطقياً" وتركها لمشاعرها.
بينما كان راشد في طريقه للقاء ماجد، وصلت لنورة رسالة من سعاد: "ها.. طبقتي اللي قلت لك؟ خليه يحس بفرق..".
لم تكن نورة تعلم أن هذه هي الخطوة الأولى في طريق وعر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق