الجزء الأول: البيت الهادئ.. والصمت المسموع
في حيّ هادئ، بعيد عن زحام المدينة، كان بيت راشد ونورة يظهر للمارين كأنه عنوان للسكينة... باب أبيض نظيف، وشباك تزينه ستارة دانتيل، ونبتة "صبار" صغيرة عند المدخل اختارتها نورة لأنها تتحمل غياب الاهتمام. لكن من الداخل، كان البيت يحكي قصة أخرى؛ قصة ليست عن الخلافات، بل عن "الفراغ" الذي يصنعه الصمت.
راشد، الرجل المجتهد، كان يرى أن رجولته تكمن في قدرته على تأمين حياة كريمة. كان "مستقراً" كالجبل، لكنه أيضاً صامت مثله. دوامه طويل، يبدأ من الفجر ولا ينتهي إلا مع غياب الشمس. يظن أن توفير "البيت والرزق" هو أقصى درجات الحب، ولا يعلم أن القلوب تجوع للكلمة كما تجوع الأجساد للزاد.
أما نورة، فكانت كتلة من المشاعر الرقيقة. هي التي اختارت ألوان الجدران واهتمت بأدق التفاصيل، لكنها بدأت تشعر أن هذا البيت، رغم جماله، أصبح يضيق عليها. هي لا تريد منه "قصوراً"، بل تريد "حضوراً"... تريد أن يشعر بها كأنثى، لا كجزء من أثاث المنزل.
وما زاد من ثقل هذا الهدوء، أن الله لم يكتب لهما "الذرية" بعد خمس سنوات من الزواج. هذا الفراغ في صالة البيت، وغياب صوت الأطفال، جعل نورة تركز أكثر على تفاصيل علاقتها براشد، بينما جعل راشد يهرب أكثر إلى العمل، ربما ليغطي على غصة في قلبه لا يعرف كيف يعبر عنها.
مشهد العشاء الصامت
في ليلة من الليالي، عاد راشد متأخراً كالعادة. فتح الباب، خلع شماغه بتعب، ونادى بهدوء: "نورة؟". لم يأتِه ردّ سريع. وجدها في الصالة، الإضاءة خافتة، وهي تمسك بقميص صغير كانت تخيطه -ربما لابن أختها أو من باب تمضية الوقت- وعيناها شاردتان في الفراغ.
جلس راشد وتنهد: "تأخرت اليوم.. ضغط في المواقع والمقاولين ما يخلصون."
هزت نورة رأسها ببرود: "إيه.. الله يعينك."
سكت راشد. هو يرى هذا الرد "طبيعياً"، بينما كانت نورة تصرخ بداخلها: "سألتك عن تعبك، فلماذا لا تسأل عن وحشتي؟".
قالت نورة وهي تقوم للمطبخ: "أحط لك العشاء؟" رد باختصار: "إيه."
على مائدة الطعام، لم يكسر الصمت إلا صوت الملاعق.
كان راشد يأكل بسرعة لينهي يومه وينام، بينما كانت نورة تقلب الطعام بملعقتها، تنظر إليه وتتساءل: "هل هذا هو الرجل الذي كان يرسل لي الرسائل الطويلة في أول شهورنا؟".
فجأة، وضعت نورة ملعقتها وقالت: "راشد.. تتذكر أول سنة؟ كيف كنا نسهر ونسولف؟ حتى لو كنت تعبان، كنت تلاحظ حتى لون طلاء أظافري."
رفع راشد عينه بتعجب: "يا نورة، الظروف تغيرت.. صرت مدير فني، والمسؤولية كبرت، والبيت يحتاج مصاريف.. وش اللي جاب هالكلام الحين؟"
نظرت إليه بأسى وقالت: "أنا ما أتكلم عن الفلوس.. أنا أتكلم عنا نحن.. عن هذا الصمت اللي صار أكبر من البيت."
لم يجد راشد جواباً. بالنسبة له، هو لم يخطئ، لم يخن، لم يقصر في المصروف. بالنسبة له، نورة "حساسة زيادة".
خيوط الغيرة والتدخل
بينما كانا يعيشان هذا الجمود، كانت هناك أطراف أخرى تراقب.
سعاد، قريبة نورة، كانت تتصل دائماً، تسأل أسئلة تبدو "بريئة" لكنها مسمومة: "ها، ما قال لك راشد متى بيسفرك؟" أو "غريبة، للحين ما فكرتوا تراجعون أطباء بخصوص الحمل؟".
سعاد تحمل في قلبها غيرة قديمة من هدوء حياة نورة، وتبحث عن أي ثغرة لتدخل منها.
أما أم راشد، المرأة الحكيمة، فكانت تشعر بأن ابنها "يغرق" في العمل ويهمل زوجته.
كانت تقول له دائماً: "يا ولدي، الحرمة مثل الزرع، إن ما سقيتها بالكلام الطيب ذبلت". لكن راشد كان يبتسم ويقبل رأسها ويقول: "نورة عاقلة يا يمه وتفهم ظروفي".
وفي الطرف الآخر، كان ماجد، صديق راشد المقرب، يلاحظ شرود راشد في العمل، ويحاول تنبيهه أن "البيت أهم من الموقع"، لكن ماجد كان يتردد دائماً في التدخل بخصوصيات صديقه، متأخراً دائماً في قول النصيحة في وقتها.
انتهى اليوم، ونام كل منهما في طرف من السرير. المسافة بينهما لا تتعدى سنتيمترات، لكنها في الواقع كانت تشبه المحيط.
نورة تسأل السقف: "هل سأقضي بقية عمري في انتظار كلمة؟". وراشد يسأل نفسه قبل أن يغلبه النوم: "أنا وش سويت غلط؟ كل شيء موفره لها.. وش تبغى أكثر؟".
كان البيت هادئاً جداً... لكنه هدوء ما قبل العاصفة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق